test
test
test
والإشاعة قديمة قدم التجمعات البشرية وقدم الصراع الانساني نفسه الذي اعتمد منذ بداياته الأولى على القدرة العسكرية والقوة المعنوية التي تقف الإشاعة على رأس السلم فيها , والذي يطالع القرآن الكريم وقصص الأنبياء فيه يجد ان الإشاعة قديمة جداً وأنها مستمرة وكأنما هي جزء من الطبع البشري ([4]),ولم يأت القرآن الكريم بذكر صريح للإشاعة أو مشتاقاتها إلا مرة واحدة وردت في قوله تعالى : (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )) ( سورة النور , الآية: 19 ) , بيد انها وردت بمفهومها الشامل وتطبيقاتها ومداليلها العديدة في الكثير من المواقف المشهودة فقد جاء القرآن الكريم ببعض من تطبيقات تلك الحرب النفسية فلم تمر الدعوة الإسلامية بسلام من دون ردود فعل مضادة وعنيفة وشرسة منذ اعلان النبي (صلى الله عليه واله وسلم ) الدعوة إلى الله ونبذ ما ورثوه من آباءهم الأولون من شرك وضلال, فقرر وقتها المشركون إلا يألوا جهداً في محاربة الاسلام وايذاء انصاره واتباعه , فاستباحت قوى الشر ك دماء وأموال المسلمين, وصاحب كل ذلك حرب عاتيه من الشائعات المغرضة لتخذيل وتحقير المسلمين وتوهين قواهم المعنوية وتحطيم نفسياتهم , وفي العهد المدني ازدادت فورة تلك الشائعات لاسيما بعد ازدياد عدد المسلمين وتحقيقهم الانتصارات في حربهم مع مختلف القوى المعادية فخلق نوع من الكره والعداء للدين الإسلامي ولرسوله الكريم (صلى الله عليه واله وسلم ) ([5]), ولو تتبعنا لكل ما تعرض له الأنبياء والرسل من الإشاعات في القرآن الكريم فسيطول الحديث في هذا الموضوع لكثرتها ,وسنقتصرها على مجموعة من الحوادث أو الشواهد التي تعرض فيها النبي (صلى الله عليه واله وسلم) من صنوف الشائعات , فمثلاً تنقل لنا المصادر الإسلامية كيف كانت الإشاعة والاستماع اليها سبباً في هزيمة المسلمين في معركة أحد في السنة الثالثة من الهجرة بعد ما أشيع في المعركة عن استشهاد النبي (صلى الله عليه واله وسلم ) وهروب البعض من المعركة بسبب تلك الشائعات ([6]), حتى جاء الخطاب القرآني بقوله تعالى ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ))(سورة آل عمران, الآية: 144 ) , ليبين لنا القرآن الكريم كيف كان تأثير تلك الإشاعة التي كانت سبباً في فرارهم من المعركة ومخالفتهم التوصيات العسكرية التي وضعت قبل المعركة وترك دفاعهم عن الرسول(صلى الله عليه واله وسلم ) ([7]), وأحياناً تكون الإشاعة قبل الصدام المباشر بين الطرفين المتصارعين فتكون على شكل أخبار الغرض منها اشاعة الخوف والهلع وهدفها هو أضعاف المعنويات لدى الأفراد كمقاتلين أو مدنيين , أو ترهيب المجتمع بصورة عامة كما حدث في معركة الأحزاب (الخندق ) في السنة الخامسة من الهجرة إذ ذكر القرآن الكريم تلك الحادثة في قوله تعالى : ((وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ,وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ))( سورة الأحزاب , الآيتان : 12- 13 ), فالقصد من تلك الأخبار هو اضعاف البنية الاجتماعية الموحدة ومحاربتهم نفسياً وزعزعة ثقتهم بأنفسهم وبقيادتهم من خلال اشاعة مثل تلك الأخبار الترهيبية والتشكيك في قدرتهم على تحقيق النصر ,أو عدم الجدوى من استمرار القتال , ولا يقتصر نشر الأخبار الكاذبة في أوقات الحرب بل احياناً تكون في أوقات السلم والقرآن نقل لنا مثل ذلك النوع من الشائعات حينما رميت أحدى زوجات النبي (صلى الله عليه واله وسلم ) بالأخبار الكاذبة وهوما يعرف بحادثة الأفك إذ جاء في قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ,لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ , لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ,وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ , إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ , وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ , يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ))(سورة النور , الآيات : 11- 17 ) , وبين القرآن كيف تصدى المؤمنون لتلك الأخبار الكاذبة بعدم التصديق ,وعلى الطرف الآخر كيف قامت جماعة من داخل مجتمع المدينة بنشر تلك الأخبار والتي كان الغرض منها ضرب النسيج الاجتماعي لدولة المدينة فتحول من مجتمع متوحد إلى مجتمع متفرق ومتفكك, وقد بين لنا القرآن الكريم الأسس الواجب على الإنسان المؤمن اتباعها ليتمكن من فحص الإشاعة والأخبار الغير صحيحة فيقول الباري عز وجل في محكم كتابة : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ))(سورة الحجرات , الآية : 6 ) , فهذه الأسس هي المعيار الواجب اتباعها لمواجهة الشائعات التي تضرب مجتمعاتنا الإسلامية هذه الأيام .
وإذا ما انتقلنا إلى تاريخنا المعاصر ومع تطور وسائل الإعلام والاتصال فما حدث ابان احتلال الجماعات التكفيرية لأراضي واسعة من العراق عام 2014م هو خير ما يمثل تأثير الشائعات على مجتمعاتنا , وكيف خلقت الشائعات جو من الترهيب النفسي ساهم بسقوط عدد من المدن والقرى , إذ كانت الجماعات الارهابية تعمل على نشر الهلع والخوف من خلال الاعمال الوحشية التي تقوم بها قبل تنفيذها العمليات العسكرية سواء كانت استعراض بالعجلات والأسلحة والرايات التي تمثل تلك الجماعات أو حالات القتل وقطع الرؤوس والاجساد والتي سرعان ما تقوم تلك الجماعات بنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي فتخلق نوع من الرعب والخوف لدى المدنيين أو المقاتلين , فقد كانت الحرب النفسية مرتكزاً اساسياً في استراتيجية تلك الجماعات التكفيرية ساعدها ذلك التطور التكنولوجي لسرعة انتشار الشائعات ,وفي المقابل كانت هناك مدن اثبتت قوتها وثباتها بوجه ذلك النوع من الحروب النفسية والعسكرية بفضل ثباتها وعدم تأثرها بتلك الشائعات وهوما قامت به مدينة امرلي البطلة فمن خلال وحدتها وتماسك المجتمع فيها استطاعت من صد كل هجمات الجماعات التكفيرية , وقد كشفت دراسة مسحية عن سكان بغداد عند احتلال داعش مساحات واسعة من العراق عام 2014م ان نسبة كبيرة كان لديهم استعداد لتقبل الشائعات بصورة مطلقة واحياناً بلغت 86% تقابلها 14% لم يكن لديهم استعداد لتقبل الاشاعات مما يعني ان الشائعات اخذت مداها عند نسبة كبيرة من المجتمع ([8]), وبالتي خلقت نوع من الرعب والهلع عند جموع السكان , ويعد هذا النوع من الشائعات مروعاً لما يتركه من تأثير نفسي على المجتمع يدفعه في بعض الأحيان نحو الفوضى والاستسلام لتلك الأخبار الكاذبة كما حدث عام2005 وفي ذكرى شهادة الإمام الكاظم (عليه السلام ) حين عمد أحدهم بنشر شائعة بوجود انتحاري بين حشود الزائرين على جسر الأئمة بين الأعظمية والكاظمية انتهت تلك الحادثة إلى تدافع الجموع واستشهاد عدد كبير من الزائرين بعد سقوطهم في نهر دجلة أو بسبب التدافع بين الحشود , وهنالك نوع من الشائعات يحدث أوقات الأزمات والكوارث الطبيعية فمثلا عند انتشار فايروس كوفيد 19 كانت هناك شائعات وخوف من انتشار المرض وارتفعت نتيجة لذلك اسعار المواد الطبية والغذائية فقد وصلت لأسعار خيالية بسبب الخوف من استمرار الفايروس وحظر التجوال الذي فرضته السلطات وقتها للحد من انتشار الفايروس , زيادة على ذلك ما خلفته تلك الشائعات عن أثار على الروح المعنوية لدى المرضى المصابين إذ انتشرت اخبار بان المصابين سوف تكون نهايتهم الموت بسبب الاصابة بهذا الفايروس وارتباط تلك الأخبار بالحالة النفسية التي يحتاج المريض إلى رفعها , وكان للشائعات دور في التأثير على اعداد الملقحين بعد التوصل لعلاج يقلل من حدة الاصابة بذلك الفايروس حتى تمكنت الحملات التوعية التي قامت بها وزارة الصحة وخبراء اللقاحات بتوعية الناس بضرورة الأخذ جرعات اللقاحات خاصة بعد ازدياد حالات الوفاة بين المصابين بسبب الأخبار الترهيبية الكاذبة أو الترويج للعلاجات المحلية التي لها القدرة على الشفاء من ذلك الفايروس , ولك ان تتخيل انتشار شائعات عن فرض ضريبة على سلعة ما ستجد ارتفاع في اسعار تلك المواد في اليوم الثاني وهذا ما يسبب أرباك في الأسواق وحركة التجارة وبالتالي تنعكس سلباً على الفرد والمجتمع , وقدد تستهدف الشائعات رموز وطنية أو دينية الغرض منا التأثير على مكانه تلك الشخصيات وهو ما نشاهده من صراع سياسي أو مذهبي على وسائل التواصل الاجتماعي من استهداف لبعض الرموز والشخصيات , وهناك شائعات تستهدف سياسة دولة ما سواء كانت سياسية , أو اقتصادية , أو اجتماعية , أو تربوية , أو مالية … الخ , والغرض من هكذا شائعات هو ضرب كيان الدولة واضعاف لسياستها للتأثير على قناعات الناس بعدم جدوى تلك السياسة المتبعة ونشر اخبار زائفة عن تأثيراتها ,وأنا اكتب هذه الوريقات كانت هناك شائعات بتسرب بعض أسئلة وزارية لطلبة الثالث المتوسط لمادة اللغة الانكليزية وعلى الرغم من نفي وزارة التربية مثل تلك الأخبار الكاذبة إلا ان الشائعات استمرت على وسائل التواصل حتى سببت نوع من الارباك والاحباط لدى الطلبة واسرهم وبالتالي انعكس تأثير تلك الشائعات سلباً على مستويات الطلبة , ونجد الشائعات حتى على مستوى اخبار الطقس والمناخ فتنتشر مثلاً شائعات بوجود أمطار غزيرة تمنع الحركة , أو حرارة عالية عالية , أو رطوبة كثيفة , أو رياح عاتية , أو غبار كثيف على الرغم من عدم تصريح المؤسسات المختصة بالارصاد الجوية باخبار من هذا القبيل , وهذه الأخبار سرعات ما تنتشر على وسائل التواصل وتنتشر معها شائعات بوجود عطلة رسمية أو محلية لتلك الأسباب وهذا ما يؤثر على عمل الدوائر الرسمية والمؤسسات التربوية والتعليمية ويخلق نوع من الارباك في العمل , وهناك نوع من الشائعات يستهدف النسيج الاجتماعي للبلدان وهدفه زرع الفتنة بين جموع المجتمع بدافع الحقد والكراهية كأن يبث احدهم شائعة هدفها خلق الفتنة بين طائفتين دينيتين , أو شعبين , أو قوميتين كما نقرأ ونشاهد على وسائل التواصل الاجتماعي من بث هكذا نوع من الأخبار القصد منها خلق نوع من التفكك المجتمعي بين الطوائف والقوميات ونشر العداوة والبغضاء بين فئات المجتمع .
فحتى يمكننا من مواجهة الشائعات يجب بناء إعلام قوي يستطيع تفنيد كل الأخبار الكاذبة والمضللة ومواجهتها بالحجة والدليل العلمي , وتوحيد الخطاب الإعلامي لأنه سيساهم في الحد من الشائعات فالشائعات تروج إذا ما غابت الأخبار ,فمواجهة الشائعات يكمن في الأساس العلمي في مواجهة ذلك النوع من الأخبار فتوعية الفرد والمجتمع بات اليوم ضرورياً في ظل التطور الهائل في وسائل الإعلام والاتصال فكلما كانت هناك خبرة ودراية واسعة بوسائل الإعلام وكيفية التصدي لذلك النوع من الحروب النفسية أصبح المجتمع أقدر على مواجهة الشائعات , لأن من يفتقد تلك الخبرات في هذا المجال يكون عرضة لخطر تلك الحروب النفسية وتأثيراتها فكلما ضعفت وسائل الدولة في مواجهة الشائعات كلما أزداد خطرها وتأثيرها على المجتمع , وهذا العمل لا يقع عاتقه على الدولة فقط بل يجب اشراك المؤسسات الدينية والتعليمية ومنظمات المجتمع المدني في تلك المهمة لبيان خطورة ذلك النوع من الحروب النفسية .
test