المهدوية حقيقة إلهيةام اطروحة بشرية؟

 

شارك المقال

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Email
LinkedIn

إقرأ ايضا

test

test

ان مسألة المهدي كمضمون تعتبر من اهم المضامين العالمية والتي حازت على عناية الدين، فهي مسألة فطرية ومسألة ذات ابعاد الهية ، وقد عنيت بها الديانات جميعاً ، كما عنى بها الاسلام الحنيف عبر النصوص القرآنية والروائية ، واهتم بها المسلمون كثيراً ، وقد برزت بصورة واضحة وجلية اهميتها عند الشيعة الامامية في مدوناتهم وهي عقيدة اساسية ومن اصول الدين عندهم ، وبذلك فان الاطروحة المهدوية عند الشيعة الامامية جلية ودقيقة وواضحة ومفصلة توافق التطلعات الانسانية وتلتقي مع الرؤية البشرية ، لتكون اطروحة متكاملة منسجمة تمثل حقانتيها واصالتها… وبذلك يتلخص أن المهدوية فكرة بشرية واطروحة الهية ، هذه العقيدة الاهم في الحياة، التي وقع عليها التوافق الانساني ، نعم قد تختلف هذه الرؤى وتبتعد او تلتقي في نقاط مضمونية الا ان الفكرة نفسها محل قبول من الجميع حتى الديانات غير السماوية تقر بوجود المنقذ والمخلص… من أهم المسائل التي تشغل العالم المعاصر، فكرة الخلاص، وهل أنها فكرة جديدة، توصّل لها الانسان في هذا العصر الحديث ام انّها فكرة موغلة في القدم منذ أن عرف الانسان طبيعة الحياة ومخاطرها على الارض؟ بالرغم من تعدد اوصاف صاحب الشخصية المأمول بها خيراً، ففي كل ثقافة تجد هذه الشخصية حاضرة بعنوان الموعود ، المخلّص ، المنقذ ، المنتظر، المهدي ، المصلح ، وعناوين اخرى كلها تشير الى امكانية ان تتغير الاحوال وتنقلب يوماً ما. والمصادر المتوفرة بين ايدينا تخبرنا أن الانسان تحرك نحو هذا الاعتقاد منذ نشوء الحضارات الاولى ، وقد يتسائل الانسان المعاصر لمَ توغلت هذه العقيدة في نفوس الناس الى هذا الحد؟

تبدو الاجابة واضحة، لكن شريطة ان تصاغ بعناية فائقة، اذ أن الانسان يتطلع بفطرته الى المنقذ والمخلص، ويجد في ذلك سلوة لنفسه وعزاء لما يمر به من محن ومصائب، فيتجه الانسان بفطرته الى هذا الاعتقاد، اي أن المهدوية جزء لا يتجزأ من حياة كل واحد منّا، وبتعبير آخر ما كُتب في هذا المجال: أن نبأ ـ المهدي ـ يلائم التطلع الفطري الانساني الى تحكيم العدل والحق والصلاح يوماً ما على الأرض، وهذا يماثل تطلعات فطرية اخرى عند الانسان، مثل مجازاة الظالم وانصاف المظلوم بعد الممات في حال لم يحصل المظلوم على حقه في حياته[1]. واذا غادرنا مساحة الاعتقاد بالمهدي من حيث الفطرة الانسانية والتوجه العام للناس جميعاً، يلوح في الافق الحاجة الواقعية لهذا الاعتقاد، من جهة تدبير الامور وقيادة المجتمع للخير والعطاء، وهذه الفكرة ليست وليدة اللحظة ايضاً، انما لهذا جذورها التاريخية ، اذ كان الانسان القديم يمني نفسه بقيادة مخلصة ومنقذة له من كل الويلات والمحن، ويرى فيها المخلّص الذي يهدف الى غرس الحقانية والعدالة الاجتماعية، يقول العرّاف المصري (نفررهو): سيأتي ملك من الجنوب اسمه اميني وهو ابن امرأة نوبية الأصل، وقد ولد في الوجه القبلي وسيستلم التاج الابيض فيوحد البلاد وينشد السلام في الارض فيحبه اهلها.. وسيفرح أهل زمانه وسيجعل ابن الانسان يبقى أبد الابدين، اما الذين تأمروا على الشر ودبروا الفتنة فقد أخرسوا افواههم خوفاً..)[2] ومن خلال هذا النص وغيره من النصوص والمؤشرات يظهر بجلاء فكرة المنقذ في مصر القديمة وتطلعات الانسان القديم في اولى الحضارات لتبني هذه الفكرة الفطرية.

ثبت ذكر المصلح والمنقذ في الديانات المختلفة والمتعددة يقول الحكيمي: (إنّ في الكتب وآثار زرادشت والزرادشتيّة ذكرت مسائل كثيرة حول آخر الزمان وظهور الموعود ، من جملتها : كتاب اوستا ، وكتاب زند ، وكتاب رسالة جاماسب ، وداتستان دينيك ورسالة زردشت. وهكذا ورد في الكتب المحرّفة لليهود والعهد القديم ومثل كتاب النبيّ دانيال عليه‌ السلام ، وإنجيل لوقا ، وانجيل مرقس ، وإنجيل برنابا ، ومكاشفات يوحنّا ، فهي مع كونها محرّفة فقد ورد فيها أحاديث حول المنجي الموعود)[3].

كان البوذيساتفا هو المخلّص والمنقذ في الديانة البوذية، ويعتبرونه هو من بلغ اليقظة، والذي وصل الى مراحل من الارتقاء الروحي فقد تحول من حالة الانسان العادي الى  المنقذ والذي به يحصل الخلاص وينتقل به الاتباع الى التكامل بحسب العقيدة البوذية، وقد أكدت هذه المدرسة بواسطة تعاليمها على الخلاص، فعلى الراهب أن يحذو حذو بوذا الذي وصل الى النيرفا بجهد شخصي ، واما زرادشت فيمثل الشخصية المنقذة والمخلصة في العقيدة الزرادشتية المعروفة في الشرق، وآمنت الزرادشتية بمجيء ثلاثة منقذين مخلصين على رأس كل ألفية من الألفيات الثلاث الأخيرة، بمعدل منقذ واحد في نهاية كل الف سنة، وآخر منقذ هو المسيا الموعود والذي سيولد من عذراء طاهرة، ولا يظهر المنقذ في نهاية كل ألفية التي يعم فيها الظلم والكفر والخراب وكل الاشخاص والأشياء تتحرك بطريق الانحدار وتبلغ القلوب الحناجر[4].

لم تكن فكرة المنقذ مقتصرة على الديانات الوضعية، وانما شملت الديانات السماوية مثل اليهودية والمسيحية، ففي العقيدة اليهودية هنالك حالة من الترقب والانشداد نحو المنقذ والمخلّص، ومما عزز هذا الشعور ما جاء في مصادرهم من اشارات حول المنقذ لا سيما الحديث عن الاله (يهوه) المخلّص، وثانيهما المسيح الموعود الذي يوحّد اليهود ويخلصهم وينجيهم من واقعهم الذليل، وهذا واضح حين نقرأ في العهد القديم بشارة المخلّص: (اللهم أعط شريعتك للملك، وعدلك لابن الملك، ليحكم بين شعبك بالعدل، ولعبادك المساكين بالحق، فلتحمل الجبال والآكام السلام للشعب في ظل العدل)[5] ، ولكنهم عاشوا الزيغ والفوضى حينما توجهوا لمحاصرة المخلص المسيح حسب ما يعتقدون الا انهم انقلبوا عليه، والمسيحية لا تختلف عن اليهودية في عقيدة المخلص، بل تبدوا واضحة جداً في الادبيات النصرانية فقد ورد في الاصحاح 25/ 31-34 من انجيل متى: (متى جاء ابن الانسان في مجده وجميع الملائكة المقدسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميز بعضهم من بعض)[6] وجاء في انجيل يوحنا اسم المخلّص والمنقذ (المعزى) في الاصحاح 15/ 26-27: (ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا اليكم من الأب روح الحق الذي عند الأب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معنا في الابتداء)[7]

تحولت الفكرة الخلاصية الى نمذجة في العديد من الكتابات الفلسفية والادبية والفنية، وليس ببعيدة عن جوهر الاطروحة الخلاصية اطروحة السوبرمان، التي طرحها المؤلف الايرلندي الشهير برنارد شو، والذي يعني بأطروحته هذه الانسان العالي ونشأت هذه الفكرة في ألمانيا منذ اهتم الالمان في حياة اديبهم وشخصيتهم الثقافية (جوتيه) الذي ترك عاش ثمانين سنة يتنقل ما بين الفن والعلم والشعر والسياسة والادب والدين، ولما مات اصبحت حياته أسطورة يقرأها الشباب ويتأثر بها الشيوخ ويكسون تفاصيلها على حياتهم ، وهو نفسه الذي سحر الكاتب الشهير (نيتشه) وصار عنده الانسان العالي ومن هنا نشأت فكرة (فوق الانسان) والتي تعني ان له قدرات ومواهب وامكانات فوق الامكانات عند سائر البشر الاعتياديين، عاشت هذه الفكرة بين اوساط النخبة الثقافية ومشاهير الكتاب وتلقفها برنارد شو وصارت بالنسبة له ديانة، ويقول عن ذلك: ان الناس ارتقوا في الصناعة والبناء والمدن والزراعة ولكنهم لم يتطوروا من حيث البناء الجسدي والغرائزي وهم كما هم منذ مليون او نصف المليون سنة ، والارتقاء الصحيح يجب أن يتناول أجسامنا وعقولنا وغرائزنا واننا لا نزال نسلك بغرائزنا سلوك الحيوان، ولا تزال عقولنا عاجزة عن الفهم السليم لقلة ما نتمتع به من ذكاء ، ولا تزال اجسامنا عرضة للأمراض وأعمارنا قصيرة ، ولذلك يجب أن يتغير الإنسان: أي يتطور نحو السبرمان، وانما يكون الانسان راقياً حين تتطور غرائزه عن الجرائم والرذائل دون خوف من القوانين[8]. يندفع كل الناس الى التطلع لهذه الحقيقة، ولكن كل واحد سيبين تطلعاته ضمن مجساته ومساحاته الفكرية والبنيوية الثقافية ، ولعل فكرة السبرمان، من الاطروحات انما انبثقت من الحالة التي يعيشها قائلها، حسب مستوى وعيه وثقافته والبيئة والمؤثر والظرف الذي يمر به، فاذا كان اديباً سعى لتصويرها بطريقة تتوافق مع ادبياته كما يظهر عند صمويل بيكيت في مسرحيته انتظار جودو[9] واذا كان علمياً متأثراً بنظرية التطور سعى ان يلبس الفكرة ثوباً علمياً ، واذا كان زرادشتياً سعى ان يلبس الفكرة ثوباً قيمياً خيالياً ، واذا كان مسيحيناً سعى ان يلبسها ثوباً اسطورياً، وهكذا..

اتسمت الفكرة المنقذ بالفكر الانساني بنزعة مادية واضحة، وهو ان تعيش الناس حالة من الرخاء والسعادة، مع المتأمل بدقة في تركيب الحياة الدنيا يتوصل الى أنها بنيت وفق سنن مادية وغيرها، وانها لا يمكن ان تكون في يوم من الايام محل الراحة الابدي، لا سيما وان عمر الانسان فيها محدد، يمضيه شاء ام ابى ويغادرها الى عالم أرحب واكثر سعة منها. ومن هنا فان النظرة الاسلامية تختلف عن سائر النظرات للأخرى للقضية الخلاصية، حيث صرحت النصوص الدينية بالحقيقة المهدوية، بمعنى سيحكم نهاية هذه الحياة رجل من نسل نبي الاسلام محمد (صلى الله عليه واله) وان هذا الرجل يمتلك مؤهلات ومواصفات رجال الله سبحانه ، عليه عقدت السماء آمالها، والانبياء طموحاتها، وينتظره كل املاك السماء ، وتشتاق له الارض والسماء ، والطير والانس والجان، ولكن النظرة الاسلامية اختلفت حول الفكرة المهدوية الى نظرتين رئيسيتين:

النظرة العامة: يرى عموم المسلمين بمذاهبهم المختلفة والمتعددة أن المهدي حقيقة مفروغ منها، وفقاً للروايات والاخبار والنصوص التي اوردها علماء الاسلام في مصنفاتهم والتي تتلخص الى أن المهدي شخصية حقيقة تحكم العالم بأسره، وقد روى وأثبت حوالي سبعين شخصا من أصحاب الحديث وأعلام التاريخ لدى أهل السنّة ، أحاديث تبيّن هذا الأمر ونماذج تاريخيّة ترتبط به ، ولم يبق بذلك مجال لأدنى شكّ في ذلك ، وإليك النصوص الّتي ذكرها الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه واله وسلم في هذا الموضوع برواية امّ سلمة : « المهديّ حقّ وهو من ولد فاطمة » و « المهديّ من عترتي من ولد فاطمة » . وبرواية الحسين بن علي بن أبي طالب ، حيث وجّه صلّى اللّه عليه واله وسلم خطابه إلى فاطمة : « المهديّ من ولدك » . « أبشري يا فاطمة فإنّ المهديّ منك » . « أبشري يا فاطمة ، المهديّ منك »[10] ، وقد عدّ بعض علماء السنة أن المهدي من الحقائق الغيبية التي ابلغ النبي الاكرم (صلى الله عليه واله) امته بها، وعلى الامة الاذعان بما يخبر به نبيها، ونص قوله: (وإنّ من بين الأمور المستقبلة التي تجري في آخر الزمان ، عند نزول عيسى بن مريم عليه السّلام من السماء ، هو خروج رجل من أهل بيت النبوّة من ولد علي بن أبي طالب ، يوافق اسمه اسم الرسول صلّى اللّه عليه وآله ويقال له : المهدي ، يتولّى إمرة المسلمين ، ويصلّي عيسى بن مريم عليه السّلام خلفه ، وذلك لدلالة الأحاديث المستفيضة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله التي تلقتها الأمّة بالقبول ، واعتقدت بموجبها إلّا من شذّ)[11] ويذهب ابن خلدون في مقدمته الى هذا التفصيل، ويجمله بقوله بسحب نقل الشيخ محمود ابو ريّة: (ان المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر الأعصار ، أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ، ويظهر العدل ، ويتبعه المسلمون ، ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى ” بالمهدي “)[12] ،  وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم أبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلي الموصلي وأسندوها إلى جماعة من الصحابة[13].ولكن هنالك من حاول ان يشكك في مسألة المهدي، تارة بعدم ورود اسمه صريحاً وتارة اخرى بخلطه مع عيسى، حيث قالوا أن لا مهدي الا عيسى، حسب  ما رواه بعض المحدثين، الا ان هذا الحديث ان وثق بصدوره فهو لا يصمد امام اكثر من (1941) حديثا واردة بالمهدي[14] ، وملخص هذه النظرة وما عليه جمهور المسلمين من عامة المذاهب عدا الشيعة الامامية: ان المهدي من ضمن الاخبار الغيبة التي بشر به النبي (صلى الله عليه واله) امته، وانه يخرج آخر الزمان ويحكم ليحقق الحق ويحكم بعد ان تملأ الارض ظلماً وعدواناً، واختلفوا في انّ المهدي ولد سنة 255 للهجرة ام انه يولد آخر الزمان، ومال بعض العلماء الى اطروحة الغيبة وانه ولد حقاً لكنه لم يعرف، وهو الموافق بالمضمون لعقيدة الشيعة ، واكثرهم يرون عدم ولادته، والمؤسف ان الحديث عن المهدي والاطروحة الخلاصية لا تجد لها اي أصداء في هذه العصور، والاعلام يغيب هذه الحقيقة عن المسلمين جميعاً ، ويساعده الكثير ممن يوصف بالعلم والبحث ، بل تمارس هذا الامر مدارس ومعاهد علمية دينية تعتبر مصدر القرار الديني بالنسبة للمذاهب الاسلامية، وحرم المسلمون من نعمة المعرفة المهدوية بعد ان لعبت المذهبية بإقصائها دوراً مدمراً في تاريخ المسلمين، فعدّ كل من يطرح موضوعة المهدي، من الشيعة الامامية ، فهو ينتمي اليهم بهذه الفكرة ، ومن هنا ينبغي على المسلمين قراءة هذه الاطروحة الاسلامية مرة اخرى، وكشف النقاب عنها، ليتضح للعديد من الناس أحقية هذه الفكرة الاسلامية واهميتها وضرورة تواجدها في حياة الناس جميعاً.

النظرة الخاصة: يرى الشيعة الامامية وفق ادلتهم الرصينة الصحيحة أن المنقذ والمخلّص هو الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري(عليهما السلام) من نسل خاتم الانبياء والمرسلين(صلى الله عليه واله) وهو الخليفة والحجة لله على خلقه منذ رحيل والده العسكري والى يومنا هذا ، وتستمر امامته وخلافته حتى وفاته في آخر الزمان ، وبه تختم حياة البشرية ويغلق باب الدنيا وترحل الاشياء كلها لتغادر الى يوم الحساب ، بعد ان تحققت العدالة الالهية على الارض جميعاً من شمالها الى جنوبها ومن شرقها الى غربها ، وهذا جزء من معتقد الامامية ،  حيث يعتقدون أن من اعظم ادوار الحجة المنقذ هو اقامة العدل وانهاء الظلم والتسلط الفوضوي واستخلاص الحق من جوف الباطل ، ودفع المكاره والمظالم ، وبذلك يمثل ارادة السماء ، فيطيعه الاحرار ويستقبله المظلومين والمضطهدين والمستضعفين في كل انحاء الارض ، وقد ورد هذا المضمون في نصوص وافرة منها ما جاء عن الامام الباقر (عليه السلام) انه قال: (إذا قام مهديّنا أهل البيت قسّم بالسويّة ، وعدل في الرعية ، فمن اطاعه فقد أطاع اللّه ، ومن عصاه فقد عصى اللّه)[15] ، وقد ادخرت فيه جميع خصال الانبياء(عليهم السلام) فكان حقاً املهم في تحقيق التوحيد والعدل والخير وصد الشر ودحضه، لان كل انسان حر منصف في هذا العالم لا يحب للخير النكوس والاضمحلال ، ويكره صولة الباطل ولا يحب ان يرى غلبة الاشرار وتفرعنهم في هذه الحياة ، لذا فان المهدي من آل محمد هو ذخيرة السماء ، والآخذ بحقوق الانبياء ، والمحقق لأحلام الصلحاء ، اذ انه أمل ابراهيم في تحقيق التوحيد ، وكبرياء موسى امام فرعون ، وماحي عذابات يعقوب ويوسف من غدر الزمن وقسوة المحن ، والمفرح لعيسى روح الله والمفرج عن كربه والمحقق لأمله والساند له في صبره ومحنته ، وهو فخر جده النبي ومحل مباهاته في العوالم كلها ، والآخذ في سيرة جده الامير (عليه السلام) ومحل اعتزازه، والصابر كما صبر مجتبى آل محمد (عليهم السلام) وبه أمله وغايته ، وهو الطالب بدم المقتول بكربلاء، و الـمُعد لقطع دابر الظلمة والمنتظر لإقامة الامت والعوج ، والمدخر لتجديد الفرائض والسنن، ومحيي معالم الدين واهله، وحاصد فروغ الغي والشقاق ، وطامس آثار الزيغ والاهواء ، وقاطع حبائل الكذب والافتراء ، ومبيد العتاة والمردة ، ومستأصل أهل العناد والتضليل والالحاد ، والذي به تحصل عزة الاولياء وذلة الاعداء ، فهو رحمة للفقراء ونصراً للمساكين والمضطهدين وشوكة في عيون السلاطين والفاسدين ، به يجلب الله تعالى الخير للأرض ، وبه يرفع عنها العذابات والمصائب والملمات..

منجزات كثرة سيقوم بها المهدي المنقذ في عقيدة الشيعة الامامية ، ومن هنا يتبين أن المهدي (عليه السلام) هو حقيقة الهية ، وليست فرضية او طموحاً انسانياً فحسب، نعم انه العقيدة الصريحة الحقة التي تنادي بها الفطرة ويقرها العقل ، ويثبتها الدين في القرآن والروايات والاحاديث ، هذه العقيدة التي غرست بالفطرة الانسانية فصدحت بها، واوجزت في عقول الناس فنادوا بها ، واختصرت في متون الديانات فأقرتها ، وفصلّت في الاسلام فأذاعها ، وبين معالمها واسسها ومرتكزاتها ، وتظهر العقيدة المهدوية بمعالمها الحقة عند الشيعة بالأصول الآتية:

  1. ان المهدي هو المنقذ والمخلص، وهو من ذرية النبي الخاتم (صلى الله عليه واله) من ولد فاطمة الزهراء (عليها السلام).
  2. ولد المهدي بمدينة سامراء في بيت ابيه العسكري سنة (255) للهجرة ، ايام حكم العباسيين ، وحصلت له غيبتان الاولى تسمى الغيبة الصغرى والثانية ابتدأت برحيل آخر سفراء الامام (عليه السلام) واستمرت الى يومنا هذا.
  3.  ان الحجة بن الحسن مدخر لإقامة العدل واحقاق الحق ودفع الظلم عن الناس، وانه يظهر حين يأذن الله تعالى وتتحقق بعض الشروط الموضوعية للظهور.
  4. يظهر المهدي بن الحسن (عليهما السلام) الى الناس بمظهر الشاب القوي ، مع انه كبير بعمره ، وقد روي عن الامام الرضا (عليه السلام) انه قال: علامته أن يكون شيخ السنّ ، شابّ المنظر ، حتّى إنّ الناظر ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها ، وإنّ من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيّام والليالي حتى يأتيه أجله)[16].
  5. تشهد الأمة بعد ظهوره ( عليه السلام ) عصرا ذهبيا لا يبقى فيه على الأرض بيت إلا ودخلته كلمة الإسلام ، ولا تبقى قرية إلا وينادى فيها بشهادة ” لا إله إلا الله ” بكرة وعشيا[17].
  6. قد غاب الإمام عليه السّلام في الغيبة الكبرى لحكمة من اللّه تعالى ومصلحة للمسلمين حينما دامت دولة الدنيا بيد الفاسقين ظلما وعدوانا ، وقد قال صلّى اللّه عليه وآله : « فيبعث اللّه رجلا من عترتي فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا[18].
  7.  لا احد يتصل بالإمام الحجة بن الحسن ولا ينوب عنه في هذه الحياة بغيبته ، وقد ختمت السفارة والنيابة الخاصة بأربعة اشخاص، فمن ادعى الاتصال والمشاهدة، فقد وقعت الغيبة التامة ، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره ، وذلك بعد طول الأمد ، وقسوة القلوب ، وامتلاء الأرض جورا . وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة ، ( ألا فمن ادعى المشاهدة ) قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر[19].
  8. تعتقد الامامية أن الحجة بن الحسن (عليه السلام) سيظهر بعد فترة غياب لا يعلمها الا الله تعالى، ويظهر بعد ان يعم الفساد والظلم والجور في الارض ،  والروايات في المهدي (عليه السلام) وظهوره وملئه الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا من طرق العامة والخاصة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام بالغة حد التواتر[20].
  9. تعتقد الشيعة الامامية أن الحجة المهدي (عليه السلام) غائب عن أعين الناس وليس غائباً عن الحياة، فهو يعيش معاناة العالم والمظلومين وان الناس تحت عنايته واهتمامه ودعائه لا ينقطع عن شيعته ومحبيه في كل هذا العالم ، بل هو الحجة ومحل نزول البركات والخيرات ، وبه تدفع الوان الملمات والمحن، وقد صدر عنه (عليه السلام) ما يؤيد ذلك :  (أنا غير مهملين لمراعاتكم ، ولا ناسين لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء أو اصطلمكم الأعداء فاتقوا الله جل جلاله)[21]
  10.  ملخص معتقد الشيعة الامامية  بـ(الإمام المهدي (عليه السلام) هو الإمام المنصوب عليهم من عند الله سبحانه في هذا العصر، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت غيبته عن الأنظار الى أن يأذن له في الظهور)[22].
المصادر
  1.  ينظر: منهج البحث والتحري في شأن الامام المهدي: السيد محمد باقر السيستاني، ط1، 2021م، ص13.
  2.  البحث عن منقذ: فالح مهدي، ط1، 1981م ، دار ابن رشد ، ص18.
  3.  الامام المهدي المصلح العالمي المنتظر: الشيخ محمد جواد الطبسي، دار الهدى ، ط1، 1426هـ ، ص15.
  4.  المنقذ في الاديان: نور ناجح حسين، تقديم ومراجعة مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي، ط1، 1440هـ ، ص195.
  5.  النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ: الأسعد بن علي قيدارة، مركز الابحاث العقائدية ، قم ـ ايران ، 1433هـ ، ص46.
  6. انجيل متى: القس انطويوس فكري، ص364.
  7. انجيل يوحنا: القمص تادروس يعقوب ملطي، كنيسة الشهيد مار جرجس، مطبعة الانبا رويس ، القاهرة ـ مصر،  ط1، 2003م، ص892.
  8.  برنارد شو: سلامة موسى، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ، ط1، 2014م ، ص120
  9.  في انتظار جودو: صمويل بيكيت، منشورات الجمل، ط1 ، 2009م، ص51.
  10.  أصالة المهدوية في الإسلام، مهدي الفقيه ايماني، ترجمة محمد رضا المهري، ط1، 1420هـ ، قم ـ مؤسسة المعارف الاسلامية، ص ٦٩.
  11.  العرف الوردي في أخبار المهدي، جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد كاظم الموسوي ط1، 1427هـ طهران ـ ايران، ص ٢١.
  12.  أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية، ط5، ص ٢٣٢.
  13.  تحفة الأحوذي، المباركفوري، ط1، 1410هـ ، دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان ،  ج ٦، ص ٤٠١.
  14.  حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر، أحمد حسين يعقوب، ط1، 2000م، جرش ـ الاردن،  ص ١٢٣.
  15.  المهدي : السيد صدر الدين الصدر العاملي، مطبعة بوستان، ط3، 1428هـ ، قم ـ ايران،  ص ١١١.
  16.  منتخب الأثر في أحوال الإمام الثاني عشر ( عج )، الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني، ج ٢، ص ٢٨٦.
  17. أضواء على عقائد الشيعة الإمامية، الشيخ السبحاني، ص ٢١٩.
  18.  الاجتهاد والتقليد، آقا ضياء العراقي، ج ، ١ص ١٥.
  19. الغيبة، الشيخ الطوسي، ص ٤٢٣.
  20. تفسير الميزان، السيد الطباطبائي، ج ١٤، ص ٣٣٧.
  21. الاحتجاج، ج ٢، أحمد بن علي الطبرسي، ص ٣٢٣
  22. نصائح المرجع الاعلى للمؤمنين في عصر غيبة الامام المهدي(عليه السلام): الموقع الرسمي للسيد علي الحسيني السيتساني على شبكة الانترنيت.

إقرأ ايضا

test

test