test
test
test
الشعر كان أحد فنونه، كما أنّ الكتابة هي إحدى محاسنه الجمة، وله في العلم قنن راسية، وقدم راسخة، غير أنّ انتشار أدبه الفائق، ومقاماته البديعة فيه، وتعريف الأدباء إياه بأدبه الباهر، وقريضه الخسرواني، والثناء عليه بأنه ثاني معلميه كما في (نسمة السحر)، أخفى صيت علمه الغزير، وغطى ذكره العلمي.[1].
وقَد عُرِفَ نابغًا من نوابغ شعراء الشيعة، والمقدّم بين كُتابها، حتى قيل: إنه كامرئ القيس في الشعر لم يكن بينهما من يضاهيهما، له ديوان شعر في عشر مُجلدات، حيث يغلب عليه العُذوبة والانسجام، ويوجد في ديوانه شعر كثير مدحًا ورثاءً وهجاءً في رجالات عصره من الخلفاء والوزراء والأمراء، وأكثر من مدائح أهل البيت (عليهم السلام)، والنيل من اعدائهم، قام الشريف الرضي بجمع المختار من شعره سمّاه الحسن من شعر الحسين [2].
له معرفة بالتاريخ واللغات، فقد اتصل بالوزير المهلبي وعضد الدولة وابن عباد وابن العميد، وله ديوان شعر يشتمل على بعض شعره، أرسل نسخة منه الى صاحب مصر فأجازه بألف دينار، وخدم بالكتابة في جهات متعددة[3] ، ومما ننقل عنه من ترجمة المصادر القديمة له وذكرها لأخباره، لكنها ركزت فـي الغالب على شعره، وعلى مذهبه الفني الغريب الشاذ، فقد قال الثعالبي : “هو وإن كان في أكثر شعره لا يستتر من العقل بسجف، ولا يبني رجل قوله إلا على سخف. فإنه من سحرة الشعر، وعجائب العصر، على أنه فرد زمانه في فنّه الذي اشتهر به، وأنه لم يسبق الى طريقته ولم يلحق شأوه في نمطه” [4].
اتُهم ابن الحجاج بالفنية المجونية والسخف والهزل الشعري وضُربَ المثل به في السخف والمداعبة والأهاجي، فقد قال عنه ياقوت : “شاعر مفلق” [5] ، وقال التوحيدي: “إذا جد أقعى وإذا هزل حكى الأفعى” [6] ، وقال الصفدي: “لكنه في المجون إمام” [7] ، وقد سلك أغلب الذين ترجموا لابن الحجاج هذا المسلك في التعريف بشعره ومذهبه الفني[8].
إن من يمعن النظر في تلك التراجم يجدها تركزت على علامتين مهمتين عدتهما نقصا في شعر ابن الحجاج، هما: (السخف والهزل)، لكن هنالك من اتخذ موقفا تبريريا لشعر ابن الحجاج ذاك ، وإذا شئنا تحليل هذه العلامات وأولها (السخف) سنجدها مرتبطة ارتباطا وثيقا بطبقة العامة، يقـول اسحاق بن إبراهيم بن وهب الكاتب مبينا معنى السخف : “وأما السخيف من الكلام فهو كلام الرعاع والعـوام الذين لم يتأدبوا، ولم يسمعوا كلام الأدباء، ولا خالطوا الفصحاء ، وذلك معيب عند ذوي العقول، لا يرضـاه لنفسه إلا مائق جهول” [9]، ويضع حدودا لاستعماله من قبل طبقة الخاصة، يقول: “إلا أن الحكمـاء ربمـا استعملته في خطاب من لا يعرف غيره طلبا لإفهامه، كما أنه ربما تكلف الإنسان لمن لم يحـسن العربيـة بعض رطانة الأعاجم ليفهمه ، فإذا جرى استعمال اللفظ السخيف هذا المجرى، وغُزي به هذا المغزى كـان جائزا. وللفظ السخيف موضع آخر لا يجوز أن يستعمل فيه غيره، وهو حكاية النوادر والمضاحك وألفـاظ السخفاء والسفهاء، فإنه متى حكاها الإنسان على غير ما قالوا خرجت عن معنى ما أُريد بها، وبردت عند مستمعيها، وإذا حكاها كما سمعها وعلى لفظ قائلها وقعت موقعه، وبلغت غاية ما أريد بها فلم يكن علـى حاكيها عتب في سخافة لفظها [10].
يتضح التصنيف الطبقي في قول ابن وهب الكاتب، فالسخف قد أُختص بطبقة العامة، وهـو مـا لا يجوز أن تستعمله الخاصة، طبقة العلماء والأدباء فهو يعد عيبا ومنقصة لا ترتضيه لنفسها، إلا فـي أحـوال إفهام متلقٍ جاهل لا يفهم إلا هذا القول السخيف، أو لحكاية النوادر والمضاحك فهي يجب أن تروى كما هـي؛ لأن نقلها إلى أسلوب آخر يفقدها حلاوتها. “إن إنسان العامة العيي قد أفصح عن عي خطاب الخاصة، من هنا لم يعد النقصان في البيان معطى ما قبليا وإنما أضحى إلى الصناعة أقرب وبالإنشاء أوثـق صـلة. يـضحى استنقاص لغة العامة حينئذ تخييلا أنشأته طائفة تزعم التميز والتفوق، فالوسم بالنقصان ينتج عن متكلم يفترض أنه قد بلغ الكمال [11].
إن قول ابن وهب الكاتب يشير بوضوح إلى قضية مهمة كانت شائعة آنذاك، وهي أن لكل طبقة ثقافة خاصة بها. وبما أن المجتمع منقسم على خواص وعوام، وبسبب من هذا الانقسام لوحظ نوع المتكلم من جهة انتمائه إلى الخواص والعوام، فالخواص هم الذين أوتوا حظا من العقل والعلم والدين وهم إلى الكمال أقـرب.
أما العوام، فعلى النقيض، لا عقل لهم ولا دين ولا مروءة وأتباع الهوى والجهل، ومن هنا فقد حلّ محـلّ الإنسان الناقص وكان موضع استنقاص وتحقير، وقد أفضى هذا التمييز الاجتماعي بين الناس إلـى تمييـز ثقافي أسهم في بروز ما يسمى بـ (ثقافة التمييز) [12]، بين ثقافة العامة وثقافة الخاصة، أو ثقافة عالمة وثقافـة شعبية [13] ، من المبررات التي وضعت لذلك الشعر الذي يمتلكه أنه لما كان يُكثرُ من مدائح أهل البيت (عليهم السلام) كان له باب في النيل من مناوئيهم نظراء مروان بن أبي حفصة حتى إنه كان ينتقد على تشديده الوطئ والنكير المحتدم على فضائع القوم [أعداء آل الله] بلهجة حادة، وسباب مقذع، غير أن ذلك كله كان نفثة مصدور، وأنه متوجع من الظلم الواقع على ساداته أئمة أهل البيت عليهم السلام، لا ولعا منه في البذاء أو وقيعة في الأعراض لمحض الشهوة ومتابعة الهوى، ولذلك وقع شعره مقبولا عند مواليه(عليهم السلام).
وإنّ قصيدتهُ الفائية العصماء التي نظمها بحق أمير المؤمنين(عليه السلام) بمناسبة بناء قبره المبارك، هي دلالة على حبه لآل البيت (عليهم السلام) وعشقه لهم، قال المجاهد الأكبر والفقيه العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني قدس الله نفسه [14]:” القصيدة تناهز ٦٤ بيتا ولها قصة، وهي أن السلطان مسعود بن بابويه لما بنى سور المشهد الشريف ودخل الحضرة الشريفة وقبل أعتابها وأحسن الأدب فوقف أبو عبد الله (الشاعر) بين يديه وأنشد قصيدته الفائية فلما وصل منها إلى الهجاء أغلظ له الشريف سيدنا المرتضى ونهاه أن ينشد ذلك في باب حضرة الإمام عليه السلام فقطع عليه فانقطع، ولما جن عليه الليل رأى ابن الحجاج الإمام عليا عليه السلام في المنام وهو يقول: (لا ينكسر خاطرك، فقد بعثنا المرتضى علم الهدى يعتذر إليك فلا تخرج إليه حتى يأتيك). ثم رأى الشريف المرتضى في تلك الليلة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم والأئمة صلوات الله عليهم حوله جلوس، فوقف بين أيديهم وسلم عليهم فحس منهم عدم إقبالهم عليه فعظم ذلك عنده وكبر لديه فقال: يا موالي! أنا عبدكم وولدكم ومواليكم فبم استحققت هذا منكم؟ فقالوا:(بما كسرت خاطر شاعرنا أبي عبد الله ابن الحجاج فعليك أن تمضي إليه وتدخل عليه وتعتذر إليه وتأخذه وتمضي به إلى مسعود بن بابويه وتعرفه عنايتنا فيه وشفقتنا عليه) فقام السيد من ساعته ومضى إلى أبي عبد الله فقرع عليه الباب، فقال ابن الحجاج: سيدي الذي بعثك إلي أمرني ألّا أخرج إليك، وقال: إنه سيأتيك. فقال: نعم سمعا وطاعة لهم. ودخل عليه واعتذر إليه ومضى به إلى السلطان وقصا القصة عليه كما رأياها فأكرمه وأنعم عليه وخصه بالرتب الجليلة وأمر بإنشاد قصيدته [15].
ومن الدلائل الأخرى التي تدل على شدة وفائه وحبه لآل البيت(عليهم السلام) أنّهُ عندما توفي أوصى أن يُدفن عند رجلي الإمامين الكاظمين(عليهما السلام) ويُكتب على قبره:{وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد}[16]،تُوفي يوم الثلاثاء في السابع والعشرين من شهر جمادي الآخرة، وقيل لسبعٍ بقين منها سنة(391هـ)بالنيل.
وضع بعض أبيات الفائية، في باب الدراسة الأدبية والعين التحليليّة، منها قوله:
فما نراه من أدبيّة رفيعة وفنيّة عالية في شعر ابن الحجاج يجعلنا نقول: إن الأدب العربيّ والتشيّع لا يمكن أن يفترقا، فمنذ القرن الهجريّ الأوّل إلى عصرنا الحاضر تجد حضور الشيعة في مجال الأدب العربيّ واضح وجلي، ولا ينكره أيّ منكر مهما بلغ على التشيع حقده، والشعراء الشيعة الذين رفدوا الأدب العربي لا يمكن حصرهم لكثرة عددهم، ولو تم إقصائهم فالفراغ سيكون فاضحاً وواضحا، وإنّ شعرَ الطّائفة يعتبر من القوائم الأساسية للأدب العربي، فالأدب الشيعيّ ذروة الأدب العربيّ وقمته.
يقول آية الله الشيخ محمّد أمين زين الدين (ت١٤١٩هـ)، في كتابه مع الدكتور أحمد أمين: “أدب الشيعة صدى لعواطف ملتهبة، أخمد الزمان لهيبها أن يظهر، وأطلق الأدب دخانها أن يثور، ففاح كما يفوح النَّدُ حين يحترق، وماء الورد حين يتصعد” وهذا ما كان جليّا زاهرا في شعر ابن الحجاج وقد عكس شعره ما قلنا عن الأدب الشيعي قبل قليل، فقد كتب ابن الحجّاج أبياته هذه على بحر الرجز المعروف الذي يعد من أبرز وأشهر بحور الشعر الذي كَثُرت القصائد عليه.
وقد دامت تفعيلة الرجز الأساسية في القصيدة بين (مُستفعلن فاعلن) و (مُستفعلن فَعلن) فكانت لهجة موسيقية رقراقة سلِسة ممتعة ساعدت على حضور المفردات السهلة الجيّدة الممكنة الفهم والدّالة على الفكرة أو الصورة الرئيسية.
بعد ذلك نحلل معنى الأبيات ونربط تحليلها بمسائل تاريخية واقعية:
كان حضور النداء الولائيّ في القصيدة أمرًا مهمًّا في مثل هكذا مناسبة، وقد قرن القبّة وبنائها العالي بالروق العلوي ودلّ على مكانها بهذا القول موطنا ومكوثا، أما الشطر الثاني فقد جاءَ تفسيرًا لعلّة ما قاله في الشطر الأول، فمن زارك لما ألمّ به وقع الدنيا سيزول حتما، ويعود هذا القول تأكيدا لسبب بناء القبر.
لم يفسح ابنُ الحجّاج المجالَ لمن يسأل عذلًا ولومًا عمّا نطق به في جبهة القصيدة فأشار بالكَلِمِ العقائدي أَنِ اقصدوا لزيارته عليه السلام تبيينا لكيفية نيلِ الرفعة والمنزلة والمقام والحَسَنة الكبرى التي تتحصل بزيارته.
هنالك من تَسِرُّ سِرّك عنده فلا تَجِد منه ما يشفي علّتك من ضيق مخرجٍ لحاله وعسرةِ أمره وقد جسّد الشاعر ما رآه حقيقةً عن معاجز وكرامات مرقد الإمام ليعكس أمام المرء ما هي أول حيله وآخرها في طوي صفحة الهموم.
فقال: زوروا لمن عنده تُسمع نجوى شكاية الحال فإنّ زيارة قبره للملهوفِ إغاثة.
مما بدأ به الشاعر في ظاهر الأمر لم يكُن همه ولا مسعاه بل لإظهار ما يحفّ بالإمام من جوانب أكرمه الله بها، فما أقدم به الشاعر فيما بعد هو من قول يراه الشاعر أسمى غايات البلوغ لما يبحث عنه في حياته المليئة بالمواقف والحوادث ويرى أنه لا يفخر بغير محبّة علي فهو الشرف الصعب العظيم وهو منتهى الشرف.
رغم التنقّل في مساحة القصيدة والانتقاء من الأبيات إلا أن الشاعر جعل أبيات قصيدته سلسلةً شديدة، ولو قلنا أن علّة قوله: (حبّ عليّ منتهى الشرف) تعود لحقائق ووقائع تاريخية، فالإمام هو عِدل القرآن كما قال الرسول الأكرم: (إن علي مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا على الحوض) [17]، فقد ظهر علي على شاكلة قرآن للبشر كما بيّن سابقا وعلى وجه خصوص القول للعارفين من اصحاب اللغة والتفسير والادب واللسان والبلاغة والفصاحة والبيان والبديع بأنواع من الطّرف أي بمختلف الطرق الكلامية والدلالية وما شابه.
تُعرّفنا هذه السطور البحثية على مدى عملقة هذا الشاعر ومدى تعلقه وحبه لآلِ البيت (ع)، فحروفِ قصيدتهِ الفائية ماهي إلا شاهد جليّ يُبين لنا حقيقته الناصعة، ويُوضّح نوايا أعداءه الذين اتهموه بالمجون والسُخف، فكانت كافية ووافية لتبرئتهِ من كُلِّ هذه التُهمْ.
test