يعد انعدام الأمن النفسي شعورًا شائعًا يمر به معظم الناس في مرحلة ما من مراحل حياتهم او ربما يعانوه طيلة حياتهم، ويمكن أن ينبع من مصادر عديدة. ويظهر على شكل نقص في الثقة والقلق وعدم اليقين والشك بالآخرين ونواياهم وضعف احترام الذات وتقدير الذات. ويمكن لأي شخص تقليل تأثير هذا الشعور غير مرغوب به والعثور على أمان متجدد واستقرار يدفعه نحو السعادة من خلال العمل لتحديد ومعالجة أسباب انعدام الأمن. ولما لايزال هنالك ضعف دراية بعلم النفس وعلاقته بالشخصيات وطريقة التعامل مع مختلف النفسيات سنحاول بسلسلة من المقالات الإضاءة على اهم الحالات النفسية وطريقة التحكم بها دون اللجوء الى طبيب نفسي عن طريق مايعرف بالتدريب النفسي لمدربين الحياة.
ما هو انعدام الأمن؟
عرفت جمعية علم النفس الأمريكية أن انعدام الأمن النفسي هي حالة متعددة الأوجه تتعلق بإحساس عام للشخص بعدم اليقين أو القلق بشأن قيمته وقدراته ومهاراته وتقديره الذاتي لنفسه كشخص. هذا الإحساس المتعدد الأوجه ينقل رسالة الى العقل الباطن مفادها أنت (اي الشخص) في خطر أو هنالك خطر من شيء أو شخص ما . و يكون التأثير السلبي لانعدام الأمن جسديًا أو عقليًا أو عاطفيًا.
أعراض انعدام الأمن 1
- شعور طاغ مستمر بعدم الأهلية وبالنقص وعدم الكفاية.
- شعور بنقص الثقة بالنفس ونقص بتقدير الذات وشعور بعدم الأهمية.
- يظهر من يعاني منه كأنه غير قادر أو غير مستعد للتعامل مع الضغوطات.
- بشكل عام يكون الشخص غير متأكد من الناس والعالم حوله.
- وأخيرا يكون قلق بشأن علاقاته مع الآخرين.
أنواع انعدام الأمن
يمكن أن ينشأ انعدام الأمان النفسي من عدة مصادر وينبع من مجالات متعددة من حياة الأنسان لأن له أصولًا وتأثيرات مختلفة، ويمكن أن يبدو عدم الأمان لدى شخص مختلفًا تمامًا عن آخر. في ما يلي اهم الأنواع المنتشرة من انعدام الأمن النفسي:
1. انعدام الأمن في العلاقات
في انعدام الأمن في العلاقات، يكون الشخص غير راغب بالضهور كضعيف أمام شريكه وغير مستعد لمنح الثقة له. لا يتمكن الشخص غير الآمن من الوثوق بما يقوله الأخرين ولا في سلوكياتهم ولا في وعودهم. هذه القضايا لا تؤثر على الفرد فحسب، بل تؤثر أيضًا على الأشخاص الذين يحاولون إقامة علاقات معهم.
2. انعدام الأمن الاجتماعي
ينطوي انعدام الأمن الاجتماعي عادةً على نقص الثقة في قدرة الفرد على الأداء الجيد والنجاح في البيئات الاجتماعية. ويكون انعدام الأمن الاجتماعي في الغالب ناتجًا عن قلق الشخص بشأن ما يمكن أن يحدث في المستقبل، اكثر مما حدث في الماضي. ويشعر الشخص الذي يعاني من انعدام الأمن الاجتماعي بالقلق والمخاوف من احتمالات عديدة مثلا:
- أن يبدو غريبا أو مختلفا عند الالتقاء مع أناس جدد
- أو خوفه من قول شيء مخجل أو غير لائق
- الخوف من كونه غير ذكيا كفاية للمشاركة في الحوار
- أخيرا بعضهم يقلق حتى من عدم فهم النكات المطروحة في الجلسة.
3.عدم ألامان بصورة الجسم
يكافح الذين يعانون من انعدام الأمن بصورة الجسد يكافحون الى الوصول الى المظهر الجسدي المثالي بدلاً من الاعتماد على خصائص جسمهم وقبولها كصفة مميزة لهم. وقد يقضون وقتًا طويلاً ويبذلون جهد وطاقة ويعيشون في قلق بشأن مظهرهم. ويمكن أن يقلقوا على جزء واحد من الجسم كشكل الأنف أو الأذنين أو الأسنان وقد يمتد بشكل هوس لكل أجزاء الجسم. يشعر بعض الناس بعدم الأمان بصورة الجسم بناءً على ما يضنه الآخرين وما يمكن أن يحكم الناس عليهم لكن الحقيقة انهم من يحكمون على أنفسهم بقسوة أكثر من أي شخص آخر.
4.انعدام الأمن الوظيفي
يتركز انعدام الأمن الوظيفي حول شعور الشخص بأنه غير ملائم لمكان عمله. قد يكون لديه شك وارتباك وتردد وعدم اليقين بشأن إمكانياته الوظيفية. ويواجه الطلاب في جميع مستويات المدرسة نوعًا مشابهًا من عدم الأمان يقودهم إلى التشكيك في ذكائهم وقدرتهم على صياغة ورقة مكتوبة جيدًا، أو حل مسالة أو سؤال أو كتابة تقرير. في كلتا الحالتين يواجه الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الوظيفي والمدرسي مشاكل بما في ذلك درجات الرسوب وضعف الأداء في العمل وترك المهام الموكلة لهم غير مكتملة.
5.انعدام الأمن لنقص الحاجات الأساسية – الغذاء والسكن والصحة
عندما لا يعرف الشخص من أين سيحصل على وجبته التالية، و أين سيريح رأسه في الليل، وكيف سيعتني بصحته الجسدية والعقلية أن مرض، لا يمكنه تكريس ما يكفي من الطاقة نحو جوانب الحياة الأخرى. فبدون ما يكفي من غذاء ومسكن أو الصحة من الصعب النجاح في الحياة. ينتج عن هذا المستوى المرتفع من التوتر مصاعب جسدية فضلاً عن صعوبات نفسية تنعكس بطريقة التعامل مع الآخرين.
علامات انعدام الأمن النفسي تشمل تسع علامات شائعة 2,3:
- ضعف بمهارات اتخاذ القرار ومحدودية القدرة على الاختيار السريع.
- الإفراط في انتقاد الذات والآخرين.
- تدني احترام الذات الذي يتميز بانتقاصها مرتبطة بتصورات حول تدني قيمتها
- إظهار الإحساس المفرط الذي يستخدم لإخفاء المشاعر الحقيقية
- البحث عن الكمالية لدرجة عدم الرضا.
- رغبة قوية في أن يكون بمفرده وتجنب المواقف الاجتماعية
- يعاني في مسالة تصديق الآخرين ومسالة بناء علاقات قوية مبنية على الثقة والتفاهم المتبادلين
- ضعف بطرق التواصل مع الآخرين خاصة التي تركز على احتياجات الآخرين أكثر من احتياجاته.
- يعاني من مستويات عالية من القلق والتوتر.
أسباب انعدام الأمن: لماذا أشعر بعدم الأمان؟
تؤثر التجارب الحياتية على مستوى انعدام الأمن النفسي لدى الشخص. ويمكن ان يكون انعدام الأمن سمة موروثة تنتقل عبر الأجيال ويتم التعبير عنها من خلال المزاج والشخصية رغم عدم وجود دليل علمي على ربط أي جين مع أصل الأمن. عموما تشمل الأسباب المحتملة لانعدام الأمن ما يلي2:
- نقص الدعم العاطفي للعائلة: الأشخاص الذين لديهم أسرة محبة وداعمة هم أقل كسبا لصفة انعدام الأمن النفسي.
- الافتقار إلى الرضا في الاحتياجات الفسيولوجية: عندما يكون الناس غير آمنين في الغذاء والسكن واحتياجات السلامة، فإنهم يعانون في لتلبية الاحتياجات النفسية مثل الأمن النفسي.
- الضعف في الذكاء العاطفي: أولئك الذين لديهم ذكاء عاطفي منخفض لا يستطيعون قراءة مشاعر أنفسهم ولا مشاعر الآخرين بدقة، هذا يؤدي إلى علاقات غير صحية وانعدام الثقة.
- عدم الانفتاح: عندما لا يحمل الناس صفة الانفتاح على العالم والأخرين ولا يملكون صفة الفضول الإيجابي على العالم وليس لهم القدرة على تقبل الأشخاص والمواقف الجديدة أو المختلفة عنهم، فإنهم يعانون المزيد من التوتر والخوف، مما يؤدي إلى انخفاض مستوى الأمن النفسي.
- عدم التوافق: يميل الأشخاص غير المتوافقون والمتباغضون إلى الخلافات الشخصية ويتحججون بكون الآخر غير مفيد أو غير داعم أو غير متعاطف معه. هذه الوضعية تنتج شعور الخطر والقلق في المواقف الاجتماعية والتي تؤدي الى امن نفسي أقل.
يمكن أن ينشأ عدم الأمان أيضًا من4:
- أداء أكاديمي ضعيف
- تجارب حياة متعبة للغاية
- علاقات مسيئة أو مهملة كأن تربط الزوجة بالزوج علاقة مؤذية مسيئة او ان يهملها مما يولد احساس بتقليل تقدير الذات وانعدام الامان النفسي ففقدان الثقة بالنفس.
- مشاكل طبية مزمنة مثل السرطان أو الألم
- حالات الصحة العقلية: حالات الصحة العقلية مثل القلق والاكتئاب لها علاقة ثنائية الاتجاه مع انعدام الأمن. اضطرابات الشخصية مثل اضطراب الشخصية الحدية واضطراب الشخصية النرجسية لها أيضًا علاقة بعدم الأمان.
كيف تتعامل مع انعدام الأمن
مثل الحالات النفسية الأخرى، يمكن مكافحة انعدام الأمن من خلال مجموعة من الأساليب العلاجية وتغيير أسلوب الحياة. تستغرق جميعها وقتًا وصبرًا، لذلك يجب أن يكون الشخص مستعد لمواصلة العلاج على المدى الطويل لرؤية نتائج دائمة.
تتضمن بعض الطرق الجيدة للتعامل مع انعدام الأمن ما يلي( 4 ، 5 ، 6)
1. الاعتراف بدور انعدام الأمن في الحياة اليومية:
الاعتراف بوجود خلل في اي مسالة نفسية هي نصف العلاج. ومع انعدام الأمن، يمكن أن تشعر أن المشكلة موجودة في اوقات محددة أو أنها لا تؤثر على حياتك و قد يكون هذا صحيحا، لكن تشخيصك لطريقة تعاملك مع كل موقف ,أن تلقي نظرة صادقة على حياتك هي هدية تقدمها لنفسك . اسأل نفسك كيف يؤثر انعدام الأمن على مدرستي وعملي وثقتي وتواصلي مع الاخرين واحترامي لذاتي وصحتي العقلية. اجابتك لنفسك ستكون الدافع لمراقبة أفعالك وتغيير سلوكيات حياتك.
2. تقييم كامل لمصدر انعدام الأمن
عندما يكون الشخص غير آمن نفسيا، يشعر أن سبب مشاكل حياته هي مواقف الناس و قضاياه وبالطبع تلعب هذه العوامل دورا في انعدام الأمن ، لكن الأمر متروك للفرد نفسة بطريقة تعامله لمعالجة مشاكله . فمع تزايد انعدام الأمن من تجارب الحياة السابقة أو مشكلات الصحة العقلية أو العلاقات الحالية يمكن ان يضخم المراء مشكلته الحالية بطريقة يجعلها اكثر سؤا او يمكن ان يحجمها ويسيطر عليها. لذا فالتركيز على المشكلة بعينها وتحديد تداخلاتها واستهداف المصدر يساعد الشخص على الحد من ارتباكه أو قلقه بالتالي تحجيم انعدام الأمن النفسي.
3.نقل مخاوف انعدام الأمن الى العلن.
يجعل انعدام الأمن الناس غير متأكدين من أنفسهم ومن علاقاتهم، لذلك لا يشعرون بالراحة الكافية لمشاركة تجاربهم ومشاعرهم مع الآخرين، لكن هذا النهج لا يؤدي إلا إلى الشعور بالخجل وبالتالي العزلة. لذا فاتخاذ النهج المعاكس هو الحل من خلال الانفتاح مع الأشخاص الموثوق بهم حول ما تعانيه وما يمكنهم فعله للمساعدة هي احدى أدواتك الإضافية. لكن تأكد من إبقاء توقعاتك واقعية. عبر عن شعورك بعدم الأمان لأحبائك واختصاصيو الصحة العقلية والصحة البدنية إن وجدوا.
4. التركيز على الإيجابيات
الطريقة التي تتحدث بها مع نفسك والطريقة التي ترى بها العالم سيكون لها تأثير كبير على مخاوفك. يميل الأشخاص الذين يتحدثون إلى أنفسهم بشكل أكثر إيجابية ويتحدون حديثهم السلبي عن النفس ويستمرون في التركيز على المستقبل، ويجدون أشياء جيدة في العالم من حولهم ،يميلون إلى أن يكونوا أكثر أمانًا وراحة. قد تبدو هذه المفاهيم وكأنها مفاهيم غريبة عن سائد المجتمع وانفسهم في البداية، لكنها تؤتي ثمارها على المدى الطويل.
5. اعتن بصحتك الجسدية
تساعد ممارسة الرياضة والحصول على نوم جيد وتناول الأطعمة الصحية على تقليل أعراض الصحة العقلية وتحسين احترام الذات. يكون الناس بصحة نفسية عالية عندما تكون صحتهم الجسدية عالية. لذا ابدأ بتغييرات صغيرة وطور ممارساتك الصحية بمرور الوقت.
6. اقبل حدودك واحتفل باختلافاتك
التغيير جيد، والتحرك في اتجاهات جديدة يمكن أن يساعد الناس على تحقيق أشياء عظيمة. تنشأ المشاكل عندما يركز الناس على تغيير ما هو غير قابل للتغيير. اقبل ما لا يمكنك تغييره واعثر على السلام مع مخاوفك. ابحث عن طرق لتقبل ما يجعلك غير مرتاح.
7. متابعة الرعاية الصحية النفسية.
لا تحاول حل مشكلة عدم الأمان لديك إذا احتجت إلى مختص نفسي لأنك لن تستطيع تثبيت عظمك المكسور بنفسك ولن تستطيع استئصال مرارتك العليلة، لذلك يمكن للمعالجين النفسيين والأطباء النفسيين تقديم أشكال أخرى للعلاج تكون أكثر فعالية وكفاءة.
أفكار أخيرة
يعتبر انعدام الأمن النفسي حالة سائدة، ولكن لا يعاني جميع الأشخاص منها بشكل مكثف لدرجة أنه يعطل حياتهم وقدرتهم على العمل. وحاله حال التغيرات النفسية التي تفرضها الظروف ومشاكل الحياة يجب ان يتعامل معها بطريقة معينة وان لا نترك العواطف والانفعالات تتحكم بطريقة تفاعلنا مع الناس وطريقة حل مشاكلنا. والتدريب النفسي او مايعرف بمدربين الحياة هي ثقافة حديثة على المجتمع العراقي لكننا نرى احتياجنا الكبير لهذه الاختصاصات والعيادات لما نراه من مشاكل المجتمع وافراده والتي للاسف نسمع بها عندما تصل الى الادمان والانتحار و ارتفاع نسبهما الا الجزء البارز من جبل الجليد و انعدام الامان النفسي هو الحالة الابسط الاسهل اكتشافا.