test
test
test
لذا يبرز للذهن سؤالا مهما عن كيفية تطبيق تلك القواعد وكيف سيتعامل الروبوت المجرد من الأحاسيس والمشاعر والمزود بالعمليات الحسابية والاوامر البرمجية مع المعضلات الأخلاقية؟
في احدى مشاهد فيلم (آي روبوت) تطرح احدى المعضلات الاخلاقية اعلاه ويكون على الروبوت ان يتخذ قرارا أخلاقيا بإنقاذ غريقين أحدهما مالكه والأخر طفلة وبأجراء حساباته الخاصة تبين له ان نسبة نجاة مالكه تصل الى 45% بينما نسبة نجاة الطفلة لا تتعدى ما نسبته 11%، وعلى رغم من طلب مالك الروبوت والحاحه الشديد على انقاذ الطفلة لكنه يقرر أخيرا انقاذ مالكه!، هذا الموقف الذي لو وضع فيه أي انسان بدل الروبوت لكان قد اختار انقاذ الطفلة لاعتبارات كثيرة منها أخلاقية وعاطفية وإنسانية
يشاركنا الأستاذ المساعد الدكتور جيمس كوفنر في معهد الروبوتات في جامعة كارنيجي ميلون تساؤلاته حول هذه القوانين، حيث يقول “مشكلتنا مع هذه القوانين الثلاثة تتمثل باستخدامها مفاهيم غامضة ومجردة وفضفاضة من الصعب ترجمتها برمجيا، ما المقصود بعبارة “الاذى” وأي نوع منه؟ كيف يمكننا تحويلها الى امر برمجي وإدخالها للحاسوب؟ الحاسوب في أيامنا هذه تستخدم الحسابات الرقمية والمنطقية ولازال من الصعب برمجة هكذا مفاهيم غامضة وغير واضحة المعنى”
خلال عام 2016 قامت شركة مايكروسوفت ببرمجة روبوت يستخدم الذكاء الصناعي وتقنيات تعلم الالة من خلال حساب في موقع التواصل الاجتماعي الشهير تويتر.
يقوم هذا الحساب الذي يحمل اسم “Tay Tweets” بأطلاق تغريدات دون أي تدخل يذكر للإنسان في ذلك لكن من هي تاي وكيف تغرد؟
تاي هي شخصية افتراضية لفتاة مراهقة أمريكية تبلغ من العمر تسعة عشر عاما، اما كيف تغرد، فالإجابة ستكون من خلال تعلمها التغريد من حسابات تعود لأشخاص تتابعهم ويتابعونها وأيضا من خلال قيامها بالدردشة والحوارات مع المستخدمين ومن خلال ذلك تقوم بتعليم نفسها تلقائيا!
تقنية عظيمة وتقدم تكنولوجي كبير يحسب لشركة مايكروسوفت لكن المفاجأة والصدمة الكبرى انه بعد ستة عشر ساعة فقط من إطلاق الحساب قامة شركة مايكروسوفت بتجميد الحساب وإيقاف المشروع وحذف عشرات التغريدات والاعتذار لجهات عديدة! يقفز الى الذهن سؤالا بديهيا، لماذا كل هذا؟
الإجابة قد تكون صادمة للبعض، فانه خلال هذه الساعات التي لم تتعدى ساعات اليوم الواحد قامت تاي بنشر عشرات التغريدات والردود المسيئة لعدة مستخدمين وعدة جهات وشعوب ومنظمات ودول واديان، فقد طالبت ببناء جدارا عازلا بين الولايات المتحدة الامريكية والمكسيك وبل والمطالبة بثمن بناء الجدار، قامت أيضا بكيل المديح والتمجيد لهتلر والنازية، وأيضا أطلقت تعليقات مؤيدة لملياردير العقارات دونالد ترامب المرشح لنيل تصويت الحزب الجمهوري لسباق الرئاسة الأميركية في ذلك الوقت، كذلك اكتالت الشتائم لأحدى اشهر المنظمات النسوية “الفيمنست”، فضلا عن وصفها لبعض المستخدمين للموقع بالحمقى والاغبياء هذا غير الالفاظ النابية التي وصف بها بعض المستخدمين والجهات والطوائف.
في اليوم التالي اعتذرت شركة مايكروسوفت عن الذي حدث مبينة انها ستعمل على تطوير تاي مستقبلا وستحاول إيجاد حلول لما حدث الان وأيضا نوهت الى ان ما حدث كان متعمدا من بعض المستخدمين الذين أصروا على تعليمها بشكل منظم ومقصود هذه الأفكار والالفاظ!
وسواء كان ما حدث مقصودا او طبيعيا لا يمكن السيطرة على طريقة التعلم كون المحيطين يحملون أفكارا مختلفة ومن بيئات شتى ولا يمكن ان يكونوا يحملون القيم والمبادئ والأخلاق نفسها، المثير للاستغراب هنا فقط سرعة تعلمها خلال مدة وجيزة بل وقياسية أيضا وهذا قد يرجح صحة ادعاء مايكروسوفت ولكن لو جرت الأمور على طبيعتها فان ستتعلم عاجلا او اجلا تلك الأفكار والالفاظ ربما خلال أسبوع او شهر او حتى سنة طبقا لظروف وبيئة الأشخاص المحيطين بها.
منذ مدة ليس بالقليلة ومصطلح السيارة ذاتية القيادة يطرق اسماعنا بصورة مستمرة، هذه التقنية التي كانت مجرد نظريات وافكار في رؤوس العلماء ثم تحولت الى نماذج ثم تم تصنيعها واطلاقها في شوارع بعض دول العالم خصوصا الأوروبية منها لكنها لم تحظى بالانتشار الواسع الذي كان متوقع ومنتظر منها، هذه التقنية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست وليدة اليوم لكنها تأخرت بانتشارها لسبب غير تقني وانما لسبب أخلاقي!
ليس سؤالنا هنا الان كيف تعمل هذه السيارات بلا سائق ولا كيف تعرف مسارها ولا كيف تحدد وجهتها، ولا السؤال عن كيفية تجنبها للتصادم، فكل تلك الأسئلة تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي كفيلة بالإجابة عنها وحل مشاكلها.
السؤال المهم هو فيما اذا تحققت حتمية التصادم والحوادث فكيف تتصرف هذه السيارة التي تعتمد على تقنيات ومعادلات حسابية ومنطقية واوامر برمجية؟، في حوادث السيارات التقليدية يكون للسائق ولو لفترة قصيرة من الزمن لا تتعدى الثواني ربما رفاهية القرار واختيار سيناريو معين يضمن اقل الاضرار من وجهة نظره، فلربما يكون مخير بين ان يدهس حيوانا او انسان فمن البديهي سيختار التضحية بالحيوان وإنقاذ الانسان، ولربما سيكون مخيرا ان يدهس شخصا واحدا او مجموعة اشخاص وحينها سيختار ربما انقاذ حياة اكثر عددا من الناس، ولربما سيقرر في وضع معين ان يضحي بنفسه لينقذ طفلا او سيدة او مسنا، كل الاختيارات نابعة من منطلق عاطفي او أخلاقي وكل تلك الأمور لا تتوفر في حالة عدم وجود سائق يقود المركبة، بل تصبح معضلات أخلاقية يحاول القائمون على هذه الصناعة الواعدة حلها وجعل السيارة ذاتية القيادة قادرة على اختيار اقل الاضرار او اختيار اهون الشرين، اذا في بادئ الامر عليهم حل معضلات مطورة ومعقدة تعتمد جميعها على معضلة واحدة لطالما حيرت العقول، فما هذه المعضلة؟
معضلة أخلاقية شهيرة حيرت العقول وانقسمت الآراء حولها وتباينت كل يجيب من منظوره الأخلاقي والفكري تنص المعضلة على انه يوجد قطار يسير بسرعة عالية وفجأة يعلم سائقه انه لا يمكن إيقافه بأي حال من الأحوال لتعطل فرامله وفي الوقت ذاته يرى ان هناك خمسة عمال واقفون في مساره ويحاول مرارا وتكرارا ان ينبههم لكن دون جدوى وفي هذه الحال سيدهسهم القطار لا محالة، لكن لحسن الحظ يوجد شخص بالقرب من المحول (البدال)، وبإمكانه تحويل مسار القطار لاتجاه اخر، لكن الامر ليس بهذه السهولة فلقد انتبه لوجود عامل يعمل على اصلاح قضبان السكة في هذا الاتجاه، هنا يبدأ الصراع الأخلاقي المحير هل يترك القطار في مساره دون تدخل ليقتل الأشخاص الخمسة ام يتدخل ويغير مساره ويقتل شخصا واحدا فقط لتقليل الخسائر؟ لكن ما ذنب هذا الشخص الذي سيقتل وهو لم يكن أصلا في مسار القطار؟ أليس هذا قتلا عمدا؟ هل يتركه يقتل الأشخاص الخمس لكونهم قد أهملوا قواعد السلامة ولم يأخذوا حذرهم؟ لكن اليس موت شخص واحد أفضل من موت خمسة أشخاص؟
موقع الالة الأخلاقية هو موقع تابع لمعهد ماساتشوستس للتقنية، الهدف منه استطلاع اراء زوار الموقع وتحكيمهم في بعض السيناريوهات التي تعتبر بمثابة معضلات أخلاقية بالنسبة لمجال صناعة وبرمجة السيارات ذاتية القيادة، ومن خلال هذه المعضلات سيقوم زائر الموقع بمساعدة السيارة ذاتية القيادة في اختيار اهون الشرين، من منظور المستخدم وتركيبته الأخلاقية.
يتكون كل اختبار من عدد من السيناريوهات الأخلاقية يتراوح بين العشرة والعشرون سيناريو، من الأمثلة على هذه السيناريوهات:
لكل شيء وجهان أحدهما للأسف مظلم، وككل بقية التقنيات الحديثة فان للذكاء الاصطناعي جانب يثير مخاوف العلماء في ان تصل الأمور لنقطة اللاعودة وتخرج الأمور عن السيطرة كما يحدث دائما في أفلام الخيال العلمي، لكن فوائد الذكاء الاصطناعي وتقنياته التي ابهرت وستبهر الجميع ستكون خير عزاء للمتخوفين منه، وسيبقى العلماء يحاولون ويحاولون حتى يتمكنوا من كتابة الكود الأخلاقي الذي طال انتظاره كثيرا.
test