تبادل الزوجات بين مطرقة التجريم الشرعي وسندان النقص التشريعي ((ظاهرة تضرب المجتمع في أُسسه ودعائمه البنائية واخلاقياته))

 

شارك المقال

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Email
LinkedIn

إقرأ ايضا

test

test

كثيرةٌ هي الظواهر السلبية التي انتجتها المدنية المعاصرة والحداثة، وبرزت شاخصة  للعيان بسبب التطور التكنولوجي والتقني، لاسيما في مجال وسائل الاتصالات والمعلوماتية وتقنيات البث والارسال الحديثة، وما احدثه اختراع الشبكة العنكبوتية ” الانترنت ” من قفزة نوعية هائلة في مجال سرعة تبادل المعلومات، وسهولة الالتقاء والتواصل وتبادل أطراف الحديث بيسر، والذي جعل من العالم قرية صغيرة بلا حدود ومن دون حواجز وعوائق، ولعل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي بصورها المختلفة ” الفيس بوك، الانستغرام، تويتر” المتداولة لدى الكافة وبسهولة ومِن دون قيود ومحددات، وحتى مِن غير المتعلمين والبسطاء مِن العوام وقليلي التدبر وتقدير العواقب والتبعات، ودخولها إلى جميع البيوت دون استئذان بالسر والعلن، والولوج فيها من قبل كل الاعمار والمستويات، وَلَدَ آثار وتبعات ضارة واقعة أحيانًا، وخطرة تنذر بوقوع ضرر لا محال أحيانًا أُخرى. ولعل مِن ابرزها، وأكثرها إثارة للاشمئزاز وعدم القبول النفسي، ومساس بأصول الدين، وثوابت أحكام الشريعة، وانتهاكًا للكرامة والقيم الإنسانية ، وتجاوزًا على الخلق والأعراف والتقاليد الراسخة في المجتمع، ما يعرف بظاهرة ” تبادل الزوجات”.

فالشريعة الإسلامية لا تبيح العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة إلاَّ في نطاق الزواج الشرعي الصحيح؛ فهو الوسيلة الوحيدة التي تبيح اتصال الرجل بالمرأة اتصالًا جنسيًا، فإذا حصل مثل هذا الاتصال خارج نطاق العلاقة الزوجية، كان زِنى تعاقب عليه الشريعة الإسلامية(1) ، سواء أرضي الطرفان به “اقترن بالقبول”، أم كان أحدهما مكرهًا عليه والطرف الآخر راضيًا به ـــ والعقاب عندئذ يقتصر على غير المكره ـــ، وسواء أكانا متزوجين أم غير متزوجين. على أنَّ العقوبة في حالة زِنى غير المتزوج حدية تتمثل بالجلد، تطبيقًا لما جاء في الآية (2) مِن سورة النور التي تقول:        (( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة…))(2) . وتختلف العقوبة في حالة زِنى المتزوج  ” المحصن” فتكون العقوبة الرجم بالحجارة حتى الموت، مصداقًا ما جاء في الحديث النبوي الشريف، وإنْ كانت محل خلاف بين فقهاء المذاهب، فمنهم مَن يشكل عليها، ويدعي نسخها(3) .

غير أنَّ النظم والتشريعات العقابية المعاصرة بصفة عامّة ــــ ومنها العراقي ـــ لا تجرم وتعاقب على الزِنى، إذا تم برضاء الرجل والمرأة، إذ تعدّ العلاقة الجنسية بين طرفين راضيين بها في نظر هذه النظم الوضعية علاقة شخصية بحتة لا يتدخل القانون فيها. وتعاقب معظم هذه التشريعات على الزِنى إذا وقع من رجل أو امرأة في اثناء ارتباطهما بزواج صحيح في نظر القانون ” مع وجود شروط أخرى احيانًا منها ان يتم الفعل في منزل الزوجية”. والعقاب في هذه الصورة أو الانموذج ليس على الزِنى بعدّه فعلًا محرمًا ومحظورًا لذاته، وإنما بعدّه فعلًا مجرمًا لما ينطوي عليه مِن اعتداء على حرمة العلاقة الزوجية، لذا صنفته بعض التشريعات العقابية كالعراقي على أنَّهُ مِن الجرائم التي تمس الاسرة. وعلى ذلك وعملًا بأحكام المادة (378) عقوبات عراقي، فإنَّهُ إذا ثبت أنَّ الزِنى تم برضاء الطرف الآخر ” الزوج أو الزوجة” بارتكاب شريكه للزِنى توقف القانون عن التعرض له، فلا يجوز تحريك دعوى الزِنى ضد أي من الزوجين إلاَّ بناءً على شكوى الزوج الآخر، كما أنَّهُ لا تقبل الشكوى إذا قدمت بعد انقضاء ثلاثة أشهر على اليوم الذي اتصل فيه علم المشتكي بالجريمة، أو إذا رضي المشتكي باستئناف الحياة الزوجية، بالرغم من علمه بالجريمة. وعلى ما تقدم يبدو أنَّ تكييف فعل تبادل الزوجات، لا ينطوي تحت وصف زِنى الزوجية، بحصول الرضاء والقبول بين أطرافه، واقترن الفعل بالموافقة الحقيقية أو الضمنية تحت ستار المحافظة على كيان الاسرة ومستقبل الأطفال، والخوف من الفضيحة، أو تبعات افتضاح الأمر واستهجان المجتمع وانكاره لأطراف هكذا علاقات شهوانية غير مشروعة، ناهيك عن عدم حصوله في الغالب في منزل الزوجية الذي يُعَدّ متطلبًا أساسيًا في البنيان القانوني للجريمة، وعدم تقديم أي طرف للشكوى مما يقيد حق الادعاء العامّ في تحريك الدعوى واستعمالها، كون الجريمة تتعلق بالحق الخاصّ، التي لا يحق لممثل الهيئة الاجتماعية التصدي لها.

وهناك مَن يرى أنَّ الفعل ينطوي تحت وصف التحريض على الزِنى (4) ، الوارد في المادة (380) عقوبات عراقي التي تقول:” كل زوج حرض زوجته على الزنا فزنت بناءً على هذا التحريض يعاقب بالحبس”. والتحريض هو خلق المُحرِّض فكرة معينة في عقل المُحرَّض، ودفعه على القيام بها، فهو تشجيع وتحبيب وترغيب وتلطيف واغواء أو وعد ووعيد أو مخادعة ودسيسة، يقتضي أنْ يوجه مِن طرف اتجاه طرف آخر (5). غير أنَّ تبادل الازواج قد لا ينشأ مِن تحريض بل قد تتلاقى إرادات الأطراف وتتفق أهوائهم ورغباتهم على القيام بهذا الفعل الشائن الشهواني، وعندها لا ينطبق الوصف الوارد في النصّ الخاص بتجريم تحريض الزوجة على الزِنى على حالة تبادل الزوجات، كما لا يقع التحريض على الزِنى إذا لم يحرض الزوجين زوجاتهما أي ” التحريض المتقابل “، ولا يقع إذا حرضت الزوجات أزواجها على الفعل، أو حرضت أحداهما زوجها على الفعل دون الأُخرى، ولا يقع باستخدام أحد الازواج الإكراه المادي ” العنف والشدة ” لحمل الزوجة على الفعل. ناهيك عن أنَّ جريمة التحريض على الزِنى يكون الجاني فيها طرف واحد هو الزوج المُحرِّض فقط ، أما في تبادل الزوجات فجناتها أربعة أطراف، هم زوجين وزوجتين، كلهم فاعليين أصليين. وخلاصة القول أنَّ تبادل الزوجات لا يجرم إلاَّ في حالة ما إذا وقع بناءً على تحريض الزوجين لزوجاتهما، وهو ما يعجز عن التصدي للظاهرة التي تقع في الغالب الأعم برضاء وقبول الأزواج الأربعة. يضاف لذلك أنَّ تكييف تبادل الزوجات على أنَّهُ تحريض على الزنا وفق المادة(380) عقوبات عراقي يجعل من الجريمة جنحة قد تكون عقوبتها الحبس مدة ثلاثة أشهر، وهذا ما لا يتناسب وقبيح عمل الأزواج الأربعة، الذين ارتضت نفسياتهم المنحرفة، وسوء خلقهم، ونكرانهم لأحكام الشرع الحكيم وأصول الدين وثوابته، هذا الفعل المستهجن.

وهناك مَن يرى (6) : أنَّ فعل تبادل الزوجات ينطبق عليه وصف السمسرة الوارد في المادة الأولى من قانون البغاء رقم(8) لسنة1988، على اعتبار أنَّ السمسرة هي:” الوساطة بين شخصين بقصد تسهيل فعل البغاء بأي طريقة كانت ويشمل ذلك التحريض ولو بموافقة أحد الشخصين أو طلبه كما يشمل استغلال بغاء شخص بالرضا أو بالإكراه”. فالتبادل هو انتفاع متقابل ” لكنه غير مقوم شرعًا ولا قانونًا”، مما يدخل الانتفاع المتقابل في دائرة الأجر، والذي يُعَدّ من قبيل البغاء، كونه خدمة مقابل خدمة، أو انتفاع متبادل. وهذا قياس فاسد، فالبغاء والسمسرة قائمة على ركن خاصّ ومتطلب أساس هو الأجر الذي صرحت به المادة الأولى من قانون مكافحة البغاء بقولها:   ” البغاء : هو تعاطي الزنا واللواط بأجر مع أكثر من شخص”، والأجر هو الذي يأخذ صورة المقابل المادي المحدد، أو المنفعة القابلة للتقويم ماديًا، والمنفعة التي يرجوها مرتاد هذه الأفعال الشهوانية في صورة تبادل الزوجات هي في الغالب ذات طبيعة معنوية غير قابلة للتقويم. فالأجر والمنفعة المقومة لا ينطبق في فعل تبادل الزوجات، الذي يقع في الغالب، مِن اشخاص مرفهين، وصل بهم ترف العيش ورغد الحياة، والسطحية في التفكير، إلى تقليد ما تتداوله الأفلام الشاذة، وما تصدح به غرف الدردشة المشبوهة.

مما تقدم نستنتج: أنَّ فعل تبادل الزوجات غير مغطى التغطية الجنائية المطلوبة في قانون العقوبات والتشريعات العقابية المتخصصة، التي تجعل مِن الفعل حال اقترافه ينطبق وانموذج قانوني موصوف، عامّ ومجرد، يحمله نص تجريمي، قائم واضح المعالم محدد الأطر. نعم أنَّ قاضي الجزاء قد يجد نفسه إزاء حالة معروضة عليه، تخالف الشرع، وتناقض القيم، وتنحرف بالنفس البشرية صوب المسالك الحيوانية الغريزية غير المنضبطة، تجعلهُ يعمل ملكاته في التكييف فيلجأ إلى التفسير أو حتى التأويل في سبيل ألاَّ يفلت الجناة مِن فعلتهم، وليس فيما يقوم به مِن قياس محظور، أو خلق لتجريم وعقاب مِن غير نصوص، بل هو تفسير عملي غائي متطور يواكب الواقعة بما تحمله مِن عنصر جنائي، ولكن تبقى تلك المواءمة قاصرة وعرضة حتى للتجريح والنقض، وفق رؤية المحكمة الأعلى درجة، إذا ما قدرت عدم انطباق الواقعة على النصّ المُكيّف في ضوئه الفعل المرتكب.

وهذا يتطلب تداخل تشريعي، بصياغة نصّ جديد يضاف إلى قانون العقوبات النافذ، أو مشروع قانون العقوبات المركون في رفوف أروقة مجلس النواب، يستوعب هذا الفعل بأنموذج قانوني مستقل، يحمل أسم الجريمة، ويحدد أركانها، وحالات انتفاء المسؤولية، والاعفاء مِن العقوبة أو تخفيفها. ونقترح أن تكون صياغته كالآتي: ” يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنوات مَن دخل في علاقة غير مشروعة فعلًا تحت مسمى “تبادل الزوجات” أيًا كان الغرض مِن الفعل. وتنتفي مسؤولية الطرف الذي يكره على الدخول في هكذا علاقة. ويُعَدّ عذرًا مخففًا مِن العقاب مبادرة الإخبار عن هكذا ممارسات، مع استمرار بقية الأطراف على اتيانها”.

المصادر
  1. أورد الفقهاء المسلمون تعاريف عديدة للزنى، إذ عرفه الحنفية بأنَّهُ:” وطء الرجل المرأة في القبل بغير الملك وشبهته”. ينظر: شرح بداية المبتدي للمرغيني2/100، ط البابي الحلبي. أما الشافعية فعرفوه بأنَّهُ:” إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خال عن الشبهة مشتهى يوجب الحد، ودبر ذكر وأنثى كقبل على المذهب” ينظر: مغنى المحتاج للشربيني، 4/144. وعرفه المالكية بأنَّهُ:” كل وطء وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين” ينظر” بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، 2/362. وعرفه الشيعة الأمامية بالقول هو: ” ايلاج الإنسان حشفة ذكره في فرج امرأة محرمة عليه أصالة، مِن غير عقد، ولا ملك ولا شبهة”. ينظر: السيد ابو القاسم الخوئي: تكملة منهاج الصالحين، ط2، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، 1979، ص34.
  2. ينظر: في تفاصيل العقوبة وطريقة تنفيذها: د. عيسى العمري ود. محمد شلال العاني: فق العقوبات في الشريعة الإسلامية،(دراسة مقارنة)، ط2، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 1423 ه ـــ 2003م، ص191 ـــ 197.
  3.  ينظر في رأي القائلين بنسخ عقوبة الرجم والرد على شبهاتهم: د. محمد سليم العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ط2، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2006، ص298 ـــ 308.
  4.  يعود هذا الرأي للحقوقي نهاد منصور ناموس، وقد أورده في منشور في صفحته على الفيس بوك.
  5.  يعرف التحريض بأنَّهُ:” دفع الجاني إلى ارتكاب الجريمة بالتأثير في إرادته وتوجيهها الوجهة التي يريدها المحرض”. ينظر: د. علي حسين الخلف ود. سلطان عبد القادر الشاوي: المبادئ العامة في قانون العقوبات، دار الرسالة، الكويت، 1982، ص211. وينظر كذلك: د. فخري عبد الرزاق صلبي الحديثي: شرح قانون العقوبات ،(القسم العامّ)، مطبعة الزمان، بغداد، العراق، 1992، ص245 ـــ 246.
  6.  هذا الرأي للخبير القانوني علي التميمي جاء في مقال منشور في صحيفة المدى ALMADA PAPER العدد (5174) ، متاح على الرابط الاليكتروني:https:// almada paper.net بتاريخ26/4/2022.

إقرأ ايضا

test

test