test
test
test
وتُعد ظاهرة العنف الأسري على اختلاف أنواعها من أهم المشكلات التي هزت أركان المجتمع العراقي بكل فئاته الاجتماعية، وكان التركيز في هذا المقال على العنف الأسري اتجاه المرأة العراقية؛ كونها تشكل نصف المجتمع وهي قوة فعّالة ومؤثرة من حيث مساهمتها في قوة العمل وبناء الأسرة، وإن ما يصيب المجتمع من تطور وتخلف إنما يترك آثاره الايجابية والسلبية على المرأة ([2]).
تعريف العنف ضد المرأة ” إنه أي فعل عنيف ينجم عنه أو يرجح أن يترتب عليه أذى أو معاناة بدنية أو نفسية أو جنسية للمرأة بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الاكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء وقع ذلك في الحياة العامة أم الخاصة”([3]).
تنوع العنف الأسري ضد المرأة ظهرت منه أنواع عديدة منها ( العنف الجنسي) الذي عادة ما يحاط بالتكتم الشديد حفاظاً على سمعة الأسرة ومستقبل أفرادها، لذلك فإنه لا يصل إلى القضاء أو الشرطة إلا في حالات نادرة جداً، ويمثل التحرش بالنساء ظاهرة شائعة في العراق تحديداً، فقد انتشرت في الآونة الأخيرة مهنة الاتجار بالنساء والفتيات لأغراض الاستغلال الجنسي وهو أحد مجالات الجريمة المنظمة نمواً، إذ إن النساء والفتيات اللواتي يُتاجر بهن يتعرضن للعنف وتنتهك حقوقهن انتهاكاً جسيماً، يضاف إلى هذا صور أخرى من العنف الجنسي تتمثل في ظاهرة التحرش التي يمارسها الموظفون بالفتيات أو النساء ( العنف في مكان العمل)، وفي دراسة علمية ميدانية عراقية جاء من نتائجها أن المرأة مازالت تتحمل كثيراً من أشكال العنف والاعتداءات مثل الاغتصاب خصوصاً، وإن التقارير الأمنية والسجلات المتوافرة في المحاكم العامة تشير إلى تزايد حالات العنف ضد المرأة والاعتداء واغتصاب الفتيات القاصرات([4]).
وكذلك (العنف النفسي) الذي يعد من اكثر صور العنف الأسري شيوعا ضد النساء، ويتمثل في اضطهاد المرأة وحرمانها من اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها، فضلا عن سوء المعاملة والتعدي اللفظي، وممارسة الضغوط المختلفة عليها([5])، وهذا ما يسبب نوعاً من الأذى النفسي للمرأة.
وتمثل الإهانة والاستخفاف بالمرأة والسخرية منها والحط من قدرها أمام الآخرين… وغيرها من السلوكيات التي تحط من كرامة المرأة وتشعرها بالإذلال من أكثر مظاهر العنف النفسي انتشاراً في المجتمع العراقي، وتندرج هذه الأفعال ضمن ما يمكن تسميته ببخس قيمة المرأة في المجتمع، وتعكس أزمة في التقدير الاجتماعي تعاني من غالبية النساء العراقيات في المجتمع ، ولعل السبب في انخفاض التقدير الاجتماعي يقع في صلب عملية البناء الثقافي بمرجعياته العشائرية القائمة على السلطة والهيمنة الذكورية التي تؤدي إلى التقليل من شأن المرأة والحط من قيمتها، وهو ما يبدو في سلوك الرجل مع زوجته إذ يعتقد الرجل في بعض العشائر الجنوبية أن منح المرأة التقدير والاحترام يتنافى مع مقاييس الرجولة([6])، ولا غرابة في ذلك لأن المنظومة الفكرية التي تربى عليها هذا النوع من الرجال تبيح له كل شيء ، فقد ترسخ في ذهنه أن المرأة مجرد وعاء يستخدمه الرجل متى شاء، فضلاً عن كونها وعاء فهي آلة للإنجاب والقيام بالأعمال المنزلية، وهذا ما أسهم في تحجيم دور المرأة ي المجتمع وسلب حقوقها.
أما (العنف الجسدي) فهو أكثر أنواع العنف خطراً على المرأة لاسيما فقد أسفرت تجارب النساء عن تعرضهن للعنف الجسدي بأشكاله المختلفة ( الضرب أو اللكم أو الصفع ، أو القذف بشتى الأدوات ومحاولة الحرق والتلويح بأدوات جارحة والتعرض للجلد بسلك كهربائي)،” فقد بين مسح صحة الأسرة في العراق أن نحو 21.2٪ من النساء المتزوجات في العراق تعرضن للعنف الجسدي([7]).
وغالباً ما يكون العنف الجسدي مصحوباً بأنواع أخرى من العنف كالعنف اللفظي الذي يتمثل في سيل من الشتم ، والسخرية والتهديد والوعيد، وكل ما يصدر عن الرجل من إساءة لشخصية المرأة وكرامتها كإنسانة ونظراتها لذاتها، وهذا من شأنه أن يحطم نفسية المرأة ويؤثر سلباً على الصحة النفسية لها ولأفراد أسرتها بالكامل([8]).
وقد ظهر نوع آخر من العنف يسمى ب ” العنف الاقتصادي” وهو من الأمور الملفتة للنظر، إذ يتمثل هذا النوع من العنف في ” حرمان المرأة من الحاجات الأساسية والاستيلاء على المدخرات الزوجية” وهذا لا يتم إلا عند ارتباطه بممارسات عنفية أخرى، فالمتعارف عليه أن المرأة تتلقى معاملة حسنة من الزوج أو التي لا يساء إليها غالباً ما تبادر إلى منح مقتنياتها ومدخراتها إلى الزوج، إما طواعية أو لكسب وده ورضاه، ولكن عندما يتم صرف هذه المدخرات على أمور لا تخص الأسرة، مثل صرفها على زوجة ثانية، أو أخذها للزواج بها من امرأة أخرى عند ذاك يسبب هذا الفعل إيذاء للمرأة وتدركه بوصفه عنفاً، فقد يعمد الزوج إلى الاستيلاء على راتب زوجته وهذا ما أصبح من الظواهر الشائعة في المجتمع نتيجة لارتفاع رواتب النساء العاملات في القطاع الخاص أو العام، الذي أصبح سبباً مهماً لتعرض جزء كبير من النساء العاملات ومن مختلف المستويات للعنف، وهذا ما يؤدي إلى الطلاق في كثير من الأحيان([9]).
أسباب العنف الأسري ضد المرأة وآثاره السبية : ينتج العنف الأسري من تشابك عوامل عديدة، وأسباب كثيرة تجتمع فيما بينهم.
أن العنف الأسري ضد المرأة بمختلف أنواعه وأسبابه ينتج عنه آثار سلبية كثيرة ، فحينما تقع المرأة ضحية الاضرار المعتمد جرّاء منهج العنف فإنها تفقد إنسانيتها التي هي هبة من الله تعالى، وبفقدانها لإنسانيتها ينتفي أي دور بنّاءٍ لها في حركة الحياة. وإنَّ من حق كل إنسان ألا يتعرض للعنف وأن يُعامل بالمساواة مع غيره من بني البشر باعتبار ذلك من حقوق الإنسان الأساسية التي تمثل حقيقة الوجود الإنساني وجوهره الذي به ومن خلاله يتكامل ويرتقي، وعندما تُهدر هذه الحقوق فإنَّ الدور الإنساني سيؤول إلى السقوط والاندثار، والمرأة تشارك الرجل في بناء الحياة وتطورها، ولن تستقيم الحياة فيما لو تم التضحية بحقوق المرأة الأساسية وفي الطليعة حقها بالحياة والأمن والكرامة، والعنف أو التهديد به يقتل الإبداع من خلال خلقه لمناخات الخوف والرعب الذي يُلاحق المرأة في كل مكان(([15].
إنَّ العنف على اختلاف أنواعه يتطلب تشريعات قانونية وثقافة مجتمعية تحول دون استمراريته لضمان تطور المجتمع ، وعلى الدولة أن توفر سبل الحماية للمرأة وذلك بتشريع قوانين تحد من انتشار ظاهرة العنف وتمنع من ممارستها ضد المرأة، وذلك من خلال مجموعة من التدخلات نذكر منها:
من أهم المشاكل التي يعاني منها المجتمع العراقي هو العنف ضد المرأة ، فما زالت الأعراف والتقاليد في مجتمعنا تعتم على العنف الأسري الممارس ضد المرأة وتعده من أسرار البيوت، وزاد من حدة هذه المشكلة ما يمر به المجتمع من ظروف سياسية واقتصادية، أسهمت في انتشار أنواع متعددة من العنف الأسري تتراوح بين العنف الجسدي والنفسي واللفظي، والاقتصادي، والجنسي، وذلك ما كان له آثراً سلبياً على المرأة العراقية ما يجعلها تفقد إنسانيتها التي هي هبة من الله تعالى، وبفقدانها لإنسانيتها ينتفي أي دور مهم لها في عجلة الحياة.
test